أكّدت الخبيرة في التحليل الاقتصادي سليمة سايح، أنّ الجزائر حقّقت قفزة نوعية في تعزيز أمنها الغذائي، مشيرة إلى أنّ هذا التأمين لم يكن وليد الصدفة، بل جاء تجسيدا لالتزام سياسي عميق يقوده رئيس الجمهورية، حيث تنطلق هذه الرؤية من عقيدة وطنية ثابتة مفادها أنّ «الشعب الذي لا يملك قوته، لا يملك قراره»، ومن هنا جاءت خارطة طريق واضحة رسمتها السلطات العليا للبلاد، وأثبتت نجاعتها في تحويل الفلاحة من قطاع تقليدي إلى محرّك استراتيجي للاقتصاد الوطني.
أوضحت سايح في تصريح لـ»الشعب» أنّ الجزائر أثبتت أنّ امتلاك القوة الغذائية هو المفتاح الحقيقي للحرية، وأنّ العمل الجاد المبنّي على أسس علمية واستثمارية هو الطريق الوحيد لتصبح بلدا مصدّرا وليس فقط مكتفية ذاتيا، معزّزة بذلك مكانتها كقوة إقليمية ضاربة في عمق القارّة السّمراء. وترى المتحدّثة أنّ الجزائر أدركت أنّ الأمن الغذائي هو خط الدفاع الأول عن السيادة الوطنية، فالهدف لم يعد مجرّد توفير الغذاء، بل ضمان وصوله لكل مواطن بأسعار معقولة وبجودة صحية عالية، بما يضمن استقلالية القرار الوطني بعيدا عن أي ضغوط أو تبعية لأقطاب خارجية، فالجزائر كانت وستبقى حرة في قرارها، وسيدة في خياراتها، خاصة في ظل التجاذبات الجيوسياسية الراهنة المتزاحمة في العالم. وأشارت الخبيرة الاقتصادية إلى أنه للانتقال من مرحلة الاكتفاء إلى التصدير، وضعت الجزائر الاستثمار والابتكار في قلب العملية الإنتاجية، مع التركيز على محورين حيويين يتعلّقان بالرهان على الذهب الأخضر في الجنوب، حيث لم تعد الصّحراء الجزائرية مجرّد مساحات شاسعة، بل تحولت إلى خزان استراتيجي للأمن الغذائي، إلى جانب التوجّه نحو تنويع الروافد الفلاحية والقاعدة الإنتاجية، من خلال الاستثمارات الكبرى في ولايات الجنوب بهدف إنتاج المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والزيـوت، لتقليص فاتورة الاستيراد نهائيا وتوطين الثروة.
في المقابل أكّدت المتحدّثة أنّ الجزائر اليوم، تراهن من خلال الرقمنة والشركات الناشئة على الأدمغة الجزائرية ورأسمالها البشري لإيجاد حلول ذكية محلية وتطويرها، تعتمد على رقمنة الأشياء والذكاء الاصطناعي لمراقبة المحاصيل وتوفير مياه السقي، ممّا يقلّل الهدر ويرفع المردودية، ويضمن دقة البيانات لاتخاذ قرارات اقتصادية استباقية.
وتضيف الخبيرة أنّ هذا الرأسمال البشري الذي تستثمر فيه الجزائر، هو نفسه من سيرافق الاستثمار الأجنبي المباشر، باعتبار أنّ اليد العاملة تمثل أحد عوامل الإنتاج التي يجب أن تكون مؤهّلة جسديا وفكريا، فالاستثمار في الأمن الغذائي هو بطبيعة الحال تمهيد لبناء أرضية للاستثمارات المنتجة والحقيقية، من خلال الاستثمار في الإنسان الجزائري.
وبحسب سايح، يتجاوز البعد الغذائي حدود المزارع والمخازن ليمسّ عمق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي بل يمتد للتنمية المستدامة، فمن منظور هرم الحاجات، يمثل الغذاء الحاجة البيولوجية الأولى التي لا يمكن بدونها بناء مجتمع سليم، لهذا فتأمين غذاء صحي يعني تخفيف العبء عن ميزانية الدولة في قطاع الصحة، فالوقاية الغذائية تحدّ من الأمراض الناتجة عن سوء التغذية وتوفّر فاتورة العلاج الباهظة، كما أنّ الاستثمار في الفلاحة هو في الحقيقة استثمار في الإنسان الجزائري، ليكون إطارا مؤهّلا بدنيا وفكريا على بناء صرح الوطن وتطوير اقتصاد منتج وتنافسي.
وأشارت الخبيرة في التحليل الاقتصادي إلى أنه رغم هذه المكانة المرموقة، تظل الطموحات الجزائرية تعانق السماء، فهي لم تكتف بتحقيق مؤشّرات إيجابية، بل اتخذت منها حافزا لتعزيز روافد الأمن الغذائي، من خلال تكثيف الدورات الزراعية، الاهتمام بنوعية المنتوج الفلاحي الصديقة للبيئة وسريعة الجني، وتطوير الصناعات التحويلية، المكننة، وضمان استدامة توفير الموارد المائية عبر تثمينها، واستغلال المصادر غير التقليدية من أجل تلبية احتياجاتها المتزايدة خاصة في مجالي الفلاحة والصناعة.





