بدائــل تنمـويـة مستـــدامة لكســر قيـود التبعـيـــة الغـذائيـة
خطــة استبـاقيـــة ترتكـز على تعزيز السيادة الغذائية بأيــاد وطنية
تقليص التبعية للأسواق الدولية وبناء منظومة إنتاج قوية تمتصّ الصدمات العالمية
الزراعــة الصّحـــراويــة.. تخصيص 400 ألف هكتار من الأراضي الفلاحية
تبنّت الجزائر بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، رؤية استباقية ترتكز على تعزيز السيادة الغذائية الوطنية بأياد محلية وبناء اقتصاد قادر على الصمود أمام الهزّات الخارجية، وقد تجسّدت هذه الرؤية في برامج ميدانية، تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في المواد الزراعية الأكثر استهلاكا، تكسر قيود التبعية الغذائية وتواجه التحديات المناخية ببدائل تنموية مستدامة.
لطالما كانت توجيهات رئيس الجمهورية واضحة وحاسمة، «الأمن الغذائي هو صمام أمان السيادة الوطنية»، وهو توجّه ترجمته التحوّلات التاريخية التي شهدها القطاع الفلاحي في السنوات الأخيرة، خاصة بعد الأزمات الصحية والاقتصادية المتوالية، وما تبعته من صراعات وتجاذبات جيوسياسية، سببت اضطرابات في أسواق الطاقة والحبوب، وأثرت بشكل مباشر على سلاسل الإمداد والتموين، وبيّنت مدى هشاشة المنظومة الاقتصادية العالمية نظرا لاعتماد العديد من الدول على الخارج في تأمين احتياجاتها الأساسية.
وقد شدّد الرئيس تبون في أكثر من مناسبة على أنّ السيادة الحقيقية للدول تبدأ من قدرتها على تأمين غذائها ودوائها وطاقتها، وانطلاقا من هذا المبدأ، تبنّت الجزائر مقاربة استباقية تهدف إلى تقليص التبعية للأسواق الدولية وبناء منظومة إنتاج وطنية قوية، قادرة على امتصاص الصدمات العالمية.
وقد جاءت تعليمات الرئيس واضحة في هذا المجال، حيث طالب برفع الإنتاج الوطني من الحبوب والبقول الجافة والزيوت والسكر، مع توسيع المساحات المسقية واستغلال الأراضي الفلاحية غير المستغلة، خاصة في الجنوب والهضاب العليا.
الاكتفاء الذاتي من القمح الصلب.. هدف في المتناول
من أجل الوصول إلى تلك الأهداف، تم إطلاق مشاريع كبرى للزراعة الصّحراوية، خاصة في الجنوب الكبير لإنتاج القمح والحبوب والزيوت النباتية، والعمل على تطوير مخزونات استراتيجية من الحبوب والمواد الأساسية لتأمين السوق الوطنية، في حال حدوث اضطرابات في التجارة العالمية.
ولأنّ الحبوب، خاصة القمح، المادة الأكثر استهلاكا من طرف الجزائريين، وعصب الأمن الغذائي لأي دولة، سطّرت الجزائر هدفا طموحا بتحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل من القمح الصلب والتوقّف عن استيراده عام 2026، مع التوقّف التام عن استيراد الشعير والذرة مستقبلا.
وتشير المعطيات إلى أنّ الإنتاج المحلي من القمح الصلب يغطي حوالي 80 بالمائة من الاحتياجات الوطنية، وهو ما يمثل تقدّما كبيرا، مع العلم أنّ الاحتياجات السنوية من القمح الصلب تتراوح بين 22 و24 مليون قنطار، ومن القمح اللين بين 45 و50 مليون قنطار، والشعير بين 10 و13 مليون قنطار وفق خبراء.
ولتحقيق هذا الهدف، تم توسيع المساحات المزروعة لتتجاوز 3 ملايين هكتار، وقد أظهرت الولايات الجنوبية نتائج قياسية في إنتاج القمح الصلب، حيث تجاوز الإنتاج 80 قنطارا في الهكتار الواحد في بعض المناطق.
وترتكز الاستراتيجية الجديدة لقطاع الفلاحة، على تحسين أداء شعبة الحبوب عبر رفع المردودية في الهكتار الواحد، من خلال اعتماد بذور عالية الإنتاجية وتطوير أصناف جديدة تتأقلم مع الظروف المناخية، إضافة إلى تطبيق المسار التقني للإنتاج وترشيد استعمال الأسمدة، كما يشمل البرنامج تعزيز المكننة الفلاحية وإنشاء تعاونيات متخصّصة في المكننة الحديثة لتمكين الفلاحين من الاستفادة من التقنيات المتطورة.
وقد انعكست هذه السياسة في نتائج ملموسة ظهرت في ارتفاع الناتج الفلاحي إلى 38 مليار دولار سنة 2025، وتحقيق الاكتفاء الذاتي شبه الكامل في الخضر والفواكه بنسبة تفوق 100 بالمائة في العديد من المنتجات، وتغطية الإنتاج الوطني لحوالي 75 بالمائة من احتياجات الحبوب الصلبة، مع الشروع في تنفيذ برامج واسعة لتوسيع المساحات المسقية، إلى جانب العمل على بلوغ إنتاج الحليب أكثر من 4 مليارات لتر سنويا.
وفي هذا السياق، تبرز الشراكة الجزائرية القطرية في مشروع «بلدنا الجزائر» لإنتاج الحليب والألبان كنموذج رائد، يهدف هذا المشروع الضّخم، الذي تبلغ قيمته الأولية أكثر من 500 مليون دولار، إلى إنتاج 194 ألف طن من الحليب المجفّف سنويا، وهو ما سيغطي 50 بالمائة من احتياجات الجزائر من هذه المادة الحيوية، وسيتم إنشاء المشروع على مساحة 117 ألف هكتار، ويشمل مزارع لإنتاج الأعلاف، وتربية الأبقار، وإنتاج الحليب واللحوم، بالإضافة إلى مصنع لإنتاج الحليب، ومن المتوقّع أن يخلق هذا المشروع 5 آلاف فرصة عمل، ويقلّل بشكل كبير من فاتورة الاستيراد.
تقليل التبعية في استيراد الزيت والسكر
بالموازاة مع ذلك، أولت السلطات العمومية اهتمامها بتقليل التبعية في استيراد الزيوت والسكر، ومنحت تحفيزات هامة للمستثمرين في هذا المجال من أجل زيادة الإنتاج المحلي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي تدريجيا.
وقد تم تدشين شهر سبتمبر الماضي، مركب سحق البذور الزيتية واستخلاص الزيوت النباتية «كتامة أقري فود»، وهو المركب الذي يعد تحديا كبيرا، نظرا لقدراته الإنتاجية، التي تتراوح بين 5 آلاف و6 آلاف طن يوميا من زيت الصوجا الخام، وكذا أعلاف الأنعام.
ويساهم هذا المركب بالدرجة الأولى في حماية الأمن الغذائي وتعزيز الاقتصاد الوطني بفعالية، إذ سيسمح بتغطية أكثر من 20 بالمائة من احتياجات السوق الوطنية من الزيت الخام، إضافة إلى أكثر من 80 بالمائة من حاجيات البلاد من الأعلاف الحيوانية.
تأمين الجزائر من الهزّات الارتدادية للأزمات العالمية
لم تقتصر رؤية رئيس الجمهورية على تحقيق الاكتفاء الذاتي فحسب، بل شملت تأمين الجزائر من الهزات الارتدادية للأزمات العالمية، سواء كانت صحية، اقتصادية، أو ناتجة عن صراعات جيواستراتيجية.
وقد أثبتت الأزمات المتوالية أهمية وجود مخزون استراتيجي كاف من المواد الأساسية، وفي هذا السياق، تعمل الجزائر على رفع قدرتها الوطنية لتخزين الحبوب إلى 9 ملايين طن، من خلال إنجاز 30 صومعة و350 مركزا جواريا، لتعزيز المخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية لضمان استقرار السوق الوطنية، وتحسين شبكات التخزين والنقل والتوزيع للحدّ من تقلّبات التموين.
كما تشجّع الجزائر الزراعة الصّحراوية، حيث خصّصت 400 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، مع تحديد هدف الوصول إلى مليون هكتار، وتسمح هذه المشاريع بتنويع مصادر الإنتاج وتقليل الاعتماد على المناطق الشمالية التي قد تتأثر بالتغيرات المناخية، وتؤكّد القرارات المتخذة أنّ المكننة الفلاحية ليس خيارا تقنيا فحسب، بل رهان استراتيجي لتحقيق الاكتفاء الذاتي وضمان استقرار الإنتاج الفلاحي في ظل التحديات الموجودة.
حماية القدرة الشرائية للمواطن
تتجلّى الرؤية الاستباقية لرئيس الجمهورية أيضا، في حرصه الدائم على استدامة استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطن، باعتبارها أولوية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
وشدّد في عدة اجتماعات لمجلس الوزراء على ضرورة ضمان وفرة السلع الغذائية الأساسية بأسعار مناسبة، خاصة المنتجات الفلاحية، وضبط السوق، مع تعزيز الإنتاج الفلاحي الوطني وتقليص التبيعة للاستيراد، بما يساهم في استقرار الأسعار على المدى المتوسط والبعيد، كما أسدى تعليمات متكرّرة للحكومة بضرورة تعزيز المخزونات الاستراتيجية للمواد الأساسية ومحاربة المضاربة والاحتكار، إلى جانب دعم الفلاحين والمنتجين وتحسين آليات التوزيع، بما يضمن توازنا بين العرض والطلب ويحافظ على القدرة الشرائية للمواطن.
نحو نظام غذائي أكثر صمودا
تؤكّد مختلف المؤشّرات أنّ الجزائر تسعى إلى بناء نظام غذائي وطني أكثر صمودا في مواجهة الأزمات العالمية، من خلال الجمع بين زيادة الإنتاج المحلي وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، لا سيما المياه والطاقة.
وفي هذا الإطار، يبرز الرهان على الابتكار والتكنولوجيا الزراعية، إضافة إلى تكوين الموارد البشرية وتحديث طرق الإنتاج، بما يعزّز قدرة القطاع الفلاحي على مواجهة التحديات المستقبلية.
وبذلك، تسعى الجزائر إلى ترسيخ نموذج تنموي يقوم على تحقيق الأمن الغذائي وتعزيز السيادة الاقتصادية، انسجاما مع التوجيهات الاستراتيجية لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، التي تجعل من توفير الغذاء للمواطنين أولوية وطنية في مختلف الظروف، وخاصة في أوقات الأزمات.




