إعـادة قـراءة إسهامات ظلّت فـي كثـير مــن الأحيــان مهمّشـة
نظّم قسم الفنون بجامعة الجزائر 2 أبو القاسم سعد الله، بالتعاون مع مخبر أطلس الثقافة الشعبية بالجزائر، الندوة العلمية الخامسة الموسومة بـ «فنانات منسيات من التراث الموسيقي الجزائري»، بمشاركة عدد من الأساتذة والباحثين من مختلف الجامعات الجزائرية، حيث خصّصت أشغالها لتسليط الضوء على حضور المرأة في التراث الموسيقي الوطني واستعادة أسماء نسوية أسهمت في تشكيل ذاكرة الغناء الجزائري.
أكد رئيس الملتقى الأستاذ الدكتور نبيل حولي، أن الموسيقى تمثل في مختلف الأمم مرآة لنبوغها الثقافي وإبداعها الحضاري، فهي ترافق الإنسان في كل زمان ومكان وتشكل جزءا أساسيا من أسلوب حياته، كما تضطلع بدور مهم في توطيد الروابط الاجتماعية والطقوس الدينية ومختلف الأنشطة الثقافية مثل الغناء والرقص. وأشار إلى أن الموسيقى ليست مجرد علم للأصوات من الناحية الفيزيائية، بل هي لغة إنسانية عالمية تتجاوز الحدود واللغات، قادرة على مخاطبة الوجدان وتوحيد المشاعر وتنمية الحس الجمالي لدى الإنسان.
وأضاف أن الموسيقى الجزائرية تعد من أكثر أشكال التعبير الفني ثراء وتنوعا، حيث تتجلى في مجموعة واسعة من الطبوع الغنائية التي تعكس تنوع البيئات الثقافية في الجزائر، من العاصمي والشعبي إلى القبائلي والشاوي والنايلي والمزابي والترقي، إضافة إلى الراي والمالوف والأندلسي والغرناطي والقناوي والصحراوي وغيرها.
وحسب الدكتور نبيل حولي، فإن هذه الندوة تسعى إلى إبراز حضور المرأة في التراث الموسيقي الجزائري وإعادة قراءة إسهاماتها الفنية، التي ظلت في كثير من الأحيان مهمشة أو غير موثقة في الدراسات الأكاديمية، رغم الدور الذي لعبته العديد من الفنانات في تشكيل الذاكرة الغنائية الوطنية.
كما أبرزت الندوة الدور البارز الذي لعبته المرأة الجزائرية في صون هذا التراث الموسيقي، حيث شكل الغناء بالنسبة إليها وسيلة للتعبير عن مشاعرها والتخفيف من أعباء الحياة اليومية، فضلا عن كونه متنفسا للتعبير عن الفرح والحزن، في مجتمع كانت فيه الأدوار الاجتماعية تميل غالبا إلى تهميش حضور المرأة في الفضاء العام. وقد استطاعت العديد من الفنانات أن يحولن الغناء والموسيقى إلى وسيلة للعيش ومصدر لإعالة أسرهن، رغم أن كثيرا منهن ظللن خارج دائرة الضوء.
وأشار المتدخلون خلال أشغال الندوة إلى عدد من الفنانات اللواتي أسهمن في إثراء التراث الموسيقي الجزائري، غير أن أسماءهن لم تحظ بالانتشار الذي تستحقه، من بينهن حدة بقار، حنيفة، رينات الوهرانية، أليس فتوسي، الجيدة ثامشطوحث، نوارة، ليلى الفاتح، زوليخة، فضيلة الدزيرية، الشيخة الريميتي وصليحة الصغيرة، إلى جانب أسماء أخرى بقيت في نطاق الذاكرة المحلية أو في التداول الشفهي داخل المجتمعات الشعبية.
وفي سياق المداخلات العلمية، أكد الأستاذ الدكتور يوسف مقران، بمشاركة الاستاذة الدكتورة نصيرة علاك، في مداخلتهما المعنونة «طاووس عمروش: صوت المرأة الباعث لأصداء التراث الشفاهي القبائلي الجزائري (جمع وتدوين ونقل الهوية الثقافية)»، الدور الذي اضطلعت به طاووس عمروش في جمع الأغاني القبائلية التقليدية وتدوينها ونقلها، بما أسهم في حفظ جزء مهم من التراث الغنائي الشفاهي.
وتطرقت الدكتورة حفيظة جنيح في مداخلتها الموسومة «البعد اللغوي لأغنية صب الرشراش» إلى الخصائص اللغوية والدلالية للنص الغنائي الشعبي، محللة بنيته الشعرية وما يحمله من رموز ثقافية وصور بلاغية تعكس البيئة الاجتماعية التي نشأت فيها الأغنية.
ومن جهتها، ناقشت الدكتورة حيزير رزيقة في مداخلتها «الذاكرة الإعلامية وصناعة النسيان الفني: مقاربة تحليلية لحضور المغنيات الجزائريات المنسيات» دور وسائل الإعلام في تشكيل الذاكرة الفنية، وكيف يمكن لبعض الآليات الإعلامية أن تسهم في إبراز أسماء معينة مقابل تهميش أسماء أخرى.
كما استعرض الدكتور قدور حمداني في مداخلته المعنونة «التراث الغنائي الصوفي النسوي بالجزائر: مسامعيات الوسط وفقيرات الشرق ومداحات الغرب» أشكال الغناء الصوفي النسوي في مناطق مختلفة من الجزائر، مسلطا الضوء على حضور النساء في أداء المدائح والأناشيد الدينية داخل الزوايا والمناسبات الروحية.
بدورها، تناولت الدكتورة خديجة أحمد مسعود في مداخلتها «فنانات جزائريات بين الاستذكار والاستحضار: قراءة فلسفية في إشكالية النسيان والاعتراف» مسألة تهميش بعض الفنانات داخل الذاكرة الفنية، متوقفة عند آليات الاعتراف الثقافي ودور الذاكرة الجماعية والمؤسسات الثقافية في إعادة الاعتبار لهن.
أما الدكتورة مليكة بن بوزة فقد سلطت الضوء في مداخلتها «بهية فرح..ورحلة البحث عن الذات والفن والوطن» على المسار الفني للفنانة بهية فرح، متتبعة تجربتها الغنائية وما تعكسه من تداخل بين الإبداع الفني والبحث عن الهوية والانتماء.
في حين قدمت الدكتورة حفيظة مقدس مداخلة بعنوان «من الصوت إلى الصورة: قراءة تشكيلية في استحضار الذاكرة الموسيقية النسوية الجزائرية»، قاربت فيها العلاقة بين الموسيقى والفنون التشكيلية وإمكانية استعادة الذاكرة الموسيقية النسوية من خلال التعبير البصري.
وتواصلت أشغال الندوة في جلساتها اللاحقة بمداخلات بحثية أخرى، تناولت قضايا الاتصال الموسيقي وحضور المرأة في الأغنية الشعبية الجزائرية، إلى جانب قراءات نقدية في تجارب فنانات أسهمن في تشكيل ملامح الغناء النسوي في الجزائر، في محاولة لإعادة الاعتبار لهذا الإرث الثقافي وتوثيقه ضمن الدراسات الأكاديمية المعاصرة.






