إرادة سياسيـــــة لاستــغـلال المقــدّرات الوطنيــة
الابتكــــار والرّقمنـة.. أدوات الاقتصاد الجــديــد
تربية المواشي وإنتاج الحليب.. مفتاح آخر لتحقيق الأمن الغذائي
يرى عميد كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير بجامعة تيبازة، الدكتور خليفة برايس، أنّ الجزائر اليوم تخوض معركة مفصلية في تاريخها الاقتصادي تحت عنوان التنويع، وذلك بعد عقود من الاعتماد شبه الكلي على قطاع المحروقات كمصدر وحيد للدخل، حيث تبنّت الحكومة استراتيجية مرنة تهدف إلى بناء اقتصاد وطني متعدّد الموارد، قادر على الصمود أمام تقلبات الأسواق الدولية وتحقيق سيادة اقتصادية حقيقية، متخذة من الفلاحة كقاطرة التنويع الجديدة وحجر الزاوية، فلم تعد مجرّد نشاط ريفي، بل تحوّلت إلى قطاع استثماري واعد يساهم بقوة في الناتج المحلي الخام.
أوضح د. برايس في تصريح لـ «الشعب» أنّ هذه الخطوات الثابتة للجزائر تسير بها نحو صياغة مشهد اقتصادي جديد، يضع «التنويع» على رأس أولوياته لإنهاء التبعية التاريخية لقطاع المحروقات، مؤكّدا أنه هناك العديد من المؤشّرات الدولية التي تؤكّد نجاعة المسار الإصلاحي، الذي تبنّته الدولة، والذي لم يكن خيارا ظرفيا، بل هو رؤية استراتيجية استهدفت إلى رفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الخام، وترجم ذلك من خلال حركية إصلاحات هيكلية عميقة مسّت شتى القطاعات الحيوية.
وبحسب المتحدّث، تبرز ملامح هذا التحول في عدة نقاط، منها ما يرتبط بترقية الصادرات خارج المحروقات عبر النجاح في إيصال المنتوج الفلاحي الجزائري من تمور وخضر وفواكه إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية بجودة تنافسية، وما يخص تحصيل عملة صعبة لصالح خزينة الدولة بعيدا عن قطاع الطاقة، بالإضافة إلى تقليص فاتورة الاستيراد من خلال التوجّه نحو زراعة المحاصيل الاستراتيجية، كالقمح اللين والصلب من خلال بعث العديد من المشاريع في هذا الإطار.
ما يشير إلى أنها في الطريق الصحيح، خاصة عقب الحرب بين روسيا وأوكرانيا وما ترتّب عنها من آثار اقتصادية، ناهيك عن الذرى والأعلاف الحيوانية، من أجل وقف استنزاف العملة الصعبة وتأمين الحاجيات الوطنية بإنتاج محلي، ناهيك عن تعزيز الاستثمار في الجنوب، ما سمح بتحول الصّحراء الجزائرية إلى قطب فلاحي إنتاجي ضخم يعكس إرادة الدولة في استغلال كافة المقدرات الوطنية لتنويع مصادر الدخل.
ونفس الأمر بالنسبة للشق المتعلّق بتربية المواشي وإنتاج الحليب، والذي تحدّث عنه رئيس الجمهورية وطالب وزارة الفلاحة بالتركيز عليه، باعتباره يشكّل أيضا أحد الشعب المهمة في الأمن الغذائي، وهو ما يقود – بحسبه – للحديث عن الاستثمار في مجال التكنولوجيات الحديثة والابتكار وتطوير البحث.
وأشار عميد كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير بجامعة تيبازة في هذا السياق، إلى أنّ القائمين على الاستراتيجية الاقتصادية الجديدة يدركون جيّدا أنّ عملية التنويع لا تكتمل دون التركيز على اقتصاد المعرفة، من خلال إقحام الشركات الناشئة والمبتكرين في تطوير حلول تقنية للقطاعات الإنتاجية، والاستثمار في التكنولوجيا عبر تبني أنظمة الرّي الذكي كالرّش المحوري المعروف جدا في الصّحراء، البذور المحسنة، والمكننة الزراعية الحديثة لرفع المردودية الاقتصادية، وتعميم الرّقمنة الشاملة لبناء قاعدة بيانات دقيقة وواقعية للمقدرات الوطنية، ممّا يسمح بالتخطيط الاستراتيجي المبني على أرقام ميدانية وليس تقديرات عشوائية، وهو ما يحرص عليه الوزير الحالي للفلاحة، بل هي أحد أهم النقاط التي يحارب من أجل تجسيدها على أرض الواقع، للخروج بالقطاع من الصورة النمطية التقليدية بتسهيل وتيسير كل الممارسات داخله وجعله محرّكا اقتصاديا لإقلاع حقيقي.
أكّد الدكتور أنّ الطموح الجزائري اليوم، يتجاوز مجرّد سدّ الثغرات، حيث أضحى يهدف إلى إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني ليكون اقتصادا مرنا ومتنوعا، وهذا انطلاقا من كون أنّ النجاح في رفع مساهمة قطاعات خارج المحروقات، هو الضمان الوحيد لتحقيق استقرار طويل الأمد، وتحويل الجزائر إلى قوة اقتصادية إقليمية تعتمد على سواعد أبنائها وتنوع مواردها.
ووفقا للقراءات الاقتصادية الأخيرة، احتلت الجزائر المركز 32 عالميا برصيد 64.66 نقطة، متفوقة بذلك على قوى اقتصادية قارية مثل جنوب إفريقيا ومصر. هذا التصنيف ليس مجرّد رقم، بل هو انعكاس لمعايير دقيقة تشمل جودة الغذاء بفضل الرقابة والمعايير الصحية المطبقة، استقرار الإنتاج الزراعي، القدرة على ضمان استمرارية الإمدادات، وتحسين وصول المواطن للمواد الأساسية بأسعار متوازنة بشكل يضمن تحسين القدرة الشرائية. في هذا الصدد، يرى د. برايس أنّ هذا التميّز يعيد للذاكرة التاريخ الاقتصادي للجزائر غداة الاستقلال، حين كان القطاع الزراعي يساهم بنحو 80% من الناتج المحلي الخام، ممّا يجعل العودة للاهتمام بالفلاحة بمثابة استعادة لمصدر قوة تاريخي برؤية عصرية، خاصة وأنّ الهدف من إصلاح القطاع الفلاحي لم يعد هو تحقيق الاكتفاء الذاتي فحسب، بل التحول نحو ترقية الصادرات خارج المحروقات، مستغلة بذلك جودة المنتج الجزائري، حيث بدأت المحاصيل الوطنية تحجز مكانة مرموقة في الأسواق الأوروبية والإفريقية.
وأشار المتحدّث أنّ هذا التوجه تدعمه استراتيجية الدولة وترافقه، من خلال استحداثها لوزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات، حيث يساهم فائض الإنتاج في تقليص فاتورة الاستيراد بشكل محسوس، ممّا يعزّز الميزان التجاري الوطني ويخلق توازنا في المنظومة الغذائية للجزائر، ومن بين المنتوجات التي مسّها التصدير المنتوجات الفلاحية، المعروفة بجودتها ونوعيتها الرفيعة.




