مع بداية العد التنازلي لعيد الفطر المبارك، تشهد الأسواق هذه الأيام حركية اقتصادية متزايدة ترتبط بالعادات الاستهلاكية للعائلات التي تبدأ بالتحضيرات لاستقبال هذه المناسبة، حيث تبرز صناعة الحلويات التقليدية، التي تتحول من نشاط منزلي بسيط إلى قطاع تجاري موسمي يوفر فرصا إضافية للدخل ويخلق ديناميكية واضحة في السوق.
أصبحت الحلويات في السنوات الأخيرة مجالا اقتصاديا حيويا يجمع بين الحرفة التقليدية وأساليب التسويق الحديثة حيث تشتد المنافسة. يؤدي الطلب المتزايد إلى تنشيط حركة البيع والشراء في عدة قطاعات مرتبطة بها، مثل تجارة المكسرات والمواد الأولية المستعملة في تحضير الحلويات، وهو ما يجعل هذا النشاط جزءا من الحركية الاقتصادية الموسمية المرتبطة بالمناسبات الدينية.
المطابخ المنزليـة.. نشـاط اقتصادي متنام
خلال السنوات الأخيرة، لم يعد نشاط صناعة الحلويات مقتصرا على المحلات المتخصصة فقط، بل توسع ليشمل عددا كبيرا من المبادرات المنزلية التي تقودها نساء وجدن في هذا المجال فرصة لتحقيق دخلا إضافيا خلال شهر رمضان.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من السهل على صانعات الحلويات عرض منتجاتهن والترويج لها عبر صفحات خاصة، حيث يتم نشر صور الحلويات مع تحديد الأسعار وفتح باب الطلبات قبل أيام من عيد الفطر.
وتشير بعض العروض المتداولة في هذا المجال إلى تنوع كبير في الأسعار حسب نوع الحلويات والمكونات المستعملة. فعلى سبيل المثال، يتم عرض صابلي العيد في بعض المبادرات المنزلية بسعر يقارب 1000 دج لـ50 حبة، وهو ما يجعله من أكثر الأصناف طلبا نظرا لسعره المقبول وإمكانية تقديمه ضمن تشكيلة متنوعة من الحلويات.
كما يعرف كعك النقاش بدوره إقبالا كبيرا حيث يتراوح سعر الحبة الواحدة بين 45 و60 دج حسب الحجم وتؤكد بعض صانعي الحلويات أن هذا النوع من الحلويات يحافظ على مكانته في موائد العيد بفضل شكله التقليدي وطعمه المميز.
وتبقى البقلاوة من بين الحلويات التي تحافظ على مكانتها في السوق رغم ارتفاع أسعارها مقارنة ببعض الأصناف الأخرى، ويرجع ذلك إلى اعتمادها على مكونات مكلفة مثل اللوز والجوز والعسل. وتختلف أسعار البقلاوة حسب نوع المكسرات المستعملة في تحضيرها.
وفي هذا السياق، تشير بعض العروض إلى أن سعر ما يعرف ب “بقلاوة الزوالي” يبدأ من حوالي 60 دج للقطعة عندما يتم تحضيرها بالفول السوداني “الكاوكاو”، بينما قد يصل السعر إلى 120دج و160دينارا للحبة أو حتى200 دج حسب طبيعة الحشو خاصة عندما تحضر باللوز.
ويتم أيضا عرض صينية بقلاوة متنوعة تضم حوالي 48 حبة محضرة بمزيج من الجوز واللوز والبندق والكاجو، بسعر 7000دج هو ما يعكس تنوع المنتجات المتوفرة في السوق لتلبية مختلف القدرات الشرائية للمستهلكين.
تسويق عصري ينعــش السـوق
ومن أبرز الظواهر التي ميزت سوق الحلويات في السنوات الأخيرة انتشار ما يعرف ب “بوكس الحلويات”، وهي علب أنيقة تضم تشكيلة متنوعة من الحلويات التقليدية والعصرية. وقد تحولت هذه الفكرة إلى وسيلة تسويقية فعالة ساهمت في زيادة الطلب على الحلويات، خاصة مع اقتراب عيد الفطر.
وتختلف أسعار هذه العلب حسب عدد الحبات ونوعية الحلويات التي تحتويها. فبعض العروض تشير إلى بوكس يضم حوالي 30 قطعة من مختلف الأنواع بسعر يقارب 3900 دج، بينما يتم عرض بوكس آخر يضم 40 قطعة بسعر يقارب 3500 دج. كما توجد علب أخرى تضم حوالي 30 قطعة بسعر يقارب 2000 دج حسب نوعية الحلويات وطبيعة مكوناتها.
وقد أصبحت هذه العلب خيارا مفضلا لدى الكثير من العائلات، خاصة أنها توفر تنوعا في الأصناف وتقدم في شكل أنيق يجعلها مناسبة أيضا كهدايا خلال زيارات العيد. ويؤكد بعض صانعي الحلويات أن الطلب على “بوكس الحلويات” يشهد ارتفاعا ملحوظا خلال الأيام الأخيرة من رمضان، حيث يفضل العديد من الزبائن اقتناء هذه العلب الجاهزة بدل شراء الحلويات بشكل منفصل.
تنوع وابتكار في المكونات
إلى جانب الحلويات التقليدية، ظهرت في السنوات الأخيرة مبادرات جديدة تسعى إلى تقديم منتجات مختلفة تلبي تطلعات فئات معينة من المستهلكين. ومن بين هذه المبادرات تقديم حلويات مصنوعة بمكونات طبيعية أو بدائل غذائية مثل القمح أو الشعير أو سكر التمر، إضافة إلى استخدام الزبدة الطبيعية أو زيت الزيتون بدل بعض الدهون الصناعية.
كما يتم تحضير بعض الأصناف بالعسل الطبيعي بدل السكر، وهو ما يجعلها خيارا مناسبا للأشخاص الذين يفضلون المنتجات الصحية أو الذين يسعون إلى تقليل استهلاك السكر.
ويؤكد بعض صانعي هذه الحلويات أن الطلب على هذا النوع من المنتجات بدا يتزايد تدريجيا، خاصة لدى الفئات التي تولي اهتماما أكبر بالنمط الغذائي الصحي.
لكن يبقى الرهان حول أسعار هذه الحلويات ذات المنتجات الطبيعية، حيث يبقى الثمن مرتفعا نتيجة الجودة في المكونات حسب ما أفادت به بعض البائعات اللائي يعرضن منتجاتهن عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مثلا يصل سعر “البقلاوة الطبيعية” إلى 500 دج للقطعة.
ويرتبط تحديد أسعار الحلويات بشكل مباشر بتكلفة المواد الأ٦لية المستعملة في تحضيرها، مثل اللوز والجوز والعسل والزبدة والسكر.
نشـاط اقتصادي موسمي
يرى متابعون للشأن الاقتصادي أن صناعة الحلويات تمثل نموذجا واضحا لما يعرف بالاقتصاد الموسمي، حيث تنتعش بشكل ملحوظ خلال المناسبات الدينية مثل شهر رمضان وعيد الفطر. فخلال هذه الفترة، ارتفعت مستويات الطلب بشكل كبير، ما يؤدي إلى تنشيط سلسلة كاملة من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها. ولا يقتصر هذا النشاط على صانعي الحلويات فقط، بل يمتد إلى تجار المواد الأولية ومحلات بيع المكسرات والعسل والسكر، إضافة إلى خدمات التوصيل التي أصبحت عنصرا أساسيا في هذا النشاط، خاصة بالنسبة للمبادرات المنزلية التي تعتمد على الطلبات المسبقة.
وفي ظل هذا الإقبال الكبير، تظل صناعة الحلويات احد الأنشطة التي تعكس روح المبادرة لدى الكثير من النساء، كما تعكس في الوقت نفسه حيوية الاقتصاد الموسمي المرتبط بالعادات والتقاليد.





