نمو قياسي في الصادرات وتطوير البنية التحتية يعزز التنافسيــة
تحــولات هيكلــية مهمــة تتجـــاوز التذبذبــات الظرفيــة للأسـواق
منصة رئيسية لتصريف المنتجات الوطنية نحو دول العالم
حماية الاحتياطيات المالية..تنظيم السوق ومحاربة محاولات تضخيم الفواتير
تعيش المنظومة الاقتصادية في الجزائر، خلال الفترة الحالية، تحولات هيكلية مهمة تتجاوز التذبذبات الظرفية للأسواق، لتصب في صلب استراتيجية الدولة الرامية إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليص التبعية لقطاع المحروقات، والبيانات الصادرة عن مؤسسة ميناء الجزائر للربع الثالث من عام 2025 مؤشراً كمياً ونوعياً يسمح بقياس مدى استجابة القطاع التجاري واللوجيستي لسياسات الإصلاح الاقتصادي التي باشرتها الدولة قبل سنوات.
تعكس الأرقام المسجلة نجاحاً ملموساً في التوجه نحو نموذج اقتصادي يقوم على تثمين الإنتاج الوطني ودفع عجلة التصدير.
وأظهرت القراءة التحليلية لحصيلة نشاط ميناء الجزائر، خلال الثلاثي الثالث من سنة 2025، تسجيل نمو إجمالي في حركة البضائع بنسبة 17.31%، حيث ارتفع الحجم المعالج إلى 2.4 مليون طن مقارنة بمليوني طن خلال نفس الفترة من عام 2024. ولا يمكن تفسير هذا الارتفاع بزيادة الاستهلاك فقط، بل هو نتاج مباشر للطفرة النوعية في حركة الصادرات خارج المحروقات، التي حققت نمواً يقارب 56.29%. ويشير هذا المعدل المرتفع بوضوح إلى أن الإجراءات الحكومية الرامية لتذليل العقبات أمام المصدرين وفتح الأسواق الدولية بدأت تترجم فعلياً إلى تدفقات سلعية عبر الموانئ، مما يغير تدريجياً من وظيفة الميناء التقليدية كبوابة للاستيراد ليصبح منصة رئيسية لتصريف المنتجات الوطنية نحو مختلف دول العالم.
وفي سياق متصل، يرتبط هذا الأداء التشغيلي المتصاعد بشكل مباشر بالاستثمارات الهيكلية التي تم ضخها في البنية التحتية للميناء خلال العام الماضي. فقد كان لتشغيل الأرصفة الثلاثة الجديدة، التي تمتد على طول 880 متراً والمصممة وفق المعايير الدولية، الأثر البالغ في رفع الكفاءة اللوجيستية للمنشأة. حيث أضافت التوسعة، مساحة تخزين تقدر بـ 70 ألف متر مربع، سمحت باستيعاب أكثر من 6 آلاف حاوية إضافية، وهو ما عالج بشكل جذري مشكلة التشبع التي كانت تعيق انسيابية الحركة سابقاً. وقد أدت هذه الخطوة مباشرة إلى تقليص فترات انتظار السفن في منطقة المخطاف، مما يعني خفضاً للتكاليف الإضافية (غرامات التأخير) بالعملة الصعبة، ورفعاً لمستوى تنافسية الخدمات المينائية الجزائرية في حوض المتوسط.
علاوة على ذلك، تعكس البيانات مرونة واضحة في التعامل مع المتغيرات التنظيمية، حيث واصل الميناء تحقيق معدلات نمو إيجابية رغم دخول إجراءات ضبط الاستيراد الجديدة حيز التنفيذ في جوان 2025، والمتمثلة في إلزامية تقديم البرامج التقديرية لمختلف الصناعيين والمستوردين. ورغم صرامة هذه الإجراءات التي تهدف إلى حماية الاحتياطيات المالية وتنظيم السوق ومحاربة أي محاولات لتضخيم الفواتير، سجل نشاط الاستيراد نمواً بـ 12.07%، مما يدل على أن السوق الوطنية والفاعلين الاقتصاديين قد وصلوا إلى مرحلة من النضج تسمح بالتكيف مع الضوابط القانونية دون التأثير على استمرار سلاسل التوريد الضرورية للمواد الأولية والتجهيزات.
وفي نفس السياق، تظهر المؤشرات الفرعية الأخرى تكاملاً في الأداء الاقتصادي، حيث سجل نشاط الحاويات نمواً لافتاً بنسبة 49%، وهو مؤشر ذو دلالة اقتصادية قوية باعتبار أن التجارة بالحاويات غالباً ما ترتبط بالسلع المصنعة والمنتجات ذات القيمة المضافة العالية، خاصة في مجال التصدير.
وقد واكب هذا الزخم التجاري ارتفاع في حركة الملاحة، إذ استقبل الميناء 536 باخرة خلال الربع الثالث من 2025 مقارنة بـ 457 باخرة في العام السابق، بزيادة قدرها 17.29%. وهذا الارتفاع في عدد السفن، المتزامن مع تقليص أوقات المعالجة بفضل التوسعة الجديدة، يؤكد تحسن تصنيف الميناء وكفاءته التشغيلية.
بالإضافة إلى ذلك، ساهمت هذه الحركية الشاملة في تعزيز القوة المالية للمؤسسة المينائية، التي حققت إيرادات صافية تجاوزت 1.3 مليار دينار، مدعومة أيضاً بانتعاش حركة المسافرين بنسبة 25%. وتكتسي هذه العوائد أهمية بالغة كونها توفر التمويل الذاتي اللازم لاستمرار عمليات الصيانة والتطوير دون الاعتماد الكلي على ميزانية الدولة.
وتعكس الأرقام المحققة في ميناء الجزائر، خلال عام 2025، المسار الاقتصادي والسياسي للجزائر بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، وعملية الربط الناجحة بين زيادة القدرات اللوجيستية (توسعة الأرصفة والمساحات) والتوجه الاستراتيجي للدولة (ترقية الصادرات وضبط الواردات) قد أسس لقاعدة صلبة تضمن استدامة النمو التجاري، وتؤكد أن الجزائر تخطو بثبات نحو بناء اقتصاد منتج ومتنوع قادر على المنافسة إقليمياً ودولياً.




