مختصون لـ “الشعب”: تنويع العلاقات الدولية وعدم الارتهان لمحور واحد
أكدت افتتاحية مجلة “الجيش” في عددها الأخير، أن عقيدة الجزائر الجديدة “المنتصرة” وثيقة الارتباط بمرجعية نوفمبر، فضلا عن كونها “براغماتية” إلى أبعد الحدود في مد جسور التعاون والشراكة مع الجميع وفي كل القارات، على قاعدة المصالح والمنافع المتبادلة. وهو ما اعتبره مختصون تحدثوا لـ “الشعب”، قدرة فائقة لدبلوماسية الجزائر، على الاستمرارية على المبادئ الراسخة وقدرة على التكيف مع التحولات الدولية.
أوضح المختص زاوي أن العديد من ملامح هذه السياسة ظهرت حتى قبل الاستقلال، خلال مرحلة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، حيث برزت آنذاك توجهات دبلوماسية وسياسية شكلت لاحقًا أساس علاقات الجزائر مع محيطها الإقليمي والدولي. وقد استمرت هذه الملامح بعد الاستقلال لتترسخ في علاقات الجزائر مع دول الجوار ومع الدول الإفريقية والعربية، كما تجلت بوضوح في ممارساتها داخل مختلف المنظمات الدولية.
ويرى المتحدث أن الحديث عن وجود عقيدة دبلوماسية جزائرية متماسكة ينبع أساسًا من هذا الإرث التاريخي العميق، الذي ساهم بدرجة كبيرة في تبلور معالم هذه العقيدة وصياغة أبرز مبادئها. كما أن مختلف المحطات التي مرت بها الجزائر منذ الاستقلال إلى اليوم أسهمت في تعزيز هذه المبادئ وترسيخها، الأمر الذي انعكس في بناء علاقات متينة مع العديد من الدول وفي تعزيز حضور الجزائر ومكانتها داخل المنظومة الدولية.
وأشار زاوي إلى أن هذه المكانة تجسدت من خلال الإشادة التي كثيرًا ما تلقتها الجزائر من قبل عدد من القوى الدولية، سواء على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية أو دول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى التقدير الذي تحظى به داخل منظمة الأمم المتحدة ومختلف الهيئات الدولية. ويعكس ذلك، بحسبه، براغماتية واضحة في السياسة الخارجية الجزائرية تقوم على الجمع بين التمسك بالمبادئ والثوابت من جهة، ومراعاة المصالح الوطنية من جهة أخرى.
وفي هذا الإطار، تتبنى الجزائر مقاربة تقوم على الاستناد إلى الشرعية الدولية والقانون الدولي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على المصلحة الوطنية كعنصر أساسي في صياغة مواقفها الخارجية. وقد ظهر هذا التوجه في بناء شراكات متوازنة مع عدد من القوى الدولية الكبرى مثل روسيا والصين وتركيا وإيطاليا، إضافة إلى شركاء آخرين، في إطار سياسة تقوم على تنويع العلاقات الدولية وعدم الارتهان لمحور واحد.
كما برزت هذه المقاربة في طريقة تعامل الجزائر مع عدد من الأزمات الإقليمية، على غرار الأزمة الليبية والأزمة في مالي، حيث حرصت الدبلوماسية الجزائرية على الدفع نحو الحلول السياسية والسلمية والعمل على دعم الاستقرار في المنطقة. وأضاف زاوي أن الجزائر نجحت كذلك في إبراز دورها داخل المنظمات الدولية كصوت معبر عن القارة الإفريقية، حيث دافعت باستمرار عن مصالح الدول الإفريقية وعن قضايا التنمية والاستقرار في القارة، مؤكداً أن هذا الدور تعزز بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة.
ويبرز هذا التوجه من خلال الزخم الدبلوماسي الذي تشهده علاقات الجزائر مع العديد من الدول الإفريقية، إضافة إلى الشراكات المتنامية التي أقامتها الجزائر خلال الفترة الأخيرة، والتي ساهمت في تعزيز حضورها داخل القارة الإفريقية وترسيخ دورها كفاعل أساسي في دعم الاستقرار والتنمية.
كما عملت الجزائر في الفترة ذاتها على تطوير علاقاتها مع عدد من القوى الدولية الكبرى، حيث شهدت علاقاتها مع دول مثل إيطاليا والصين وتركيا وروسيا تطورا ملحوظا، من خلال إبرام اتفاقيات وشراكات استراتيجية بدأت تؤتي ثمارها على مختلف الأصعدة الاقتصادية والسياسية.
ومن جهة أخرى، استغلت الجزائر عضويتها في مجلس الأمن الدولي لتعزيز حضورها الدبلوماسي والدفاع عن القضايا الإفريقية، حيث سعت إلى أن تكون صوتًا للقارة داخل هذه الهيئة الدولية، وعملت على طرح القضايا الإفريقية والدفاع عن مصالحها في مختلف النقاشات الدولية.
مزيج من الاستمرارية والتكيّف
في هذا السياق، يؤكد المحلل السياسي حمزة بوعلي أن الحديث عن السياسة الخارجية الجزائرية في المرحلة الراهنة لا يمكن فصله عن جملة من المحددات التاريخية والجيوسياسية التي أسهمت في تشكيل ملامحها، مشيراً إلى أن فهم توجهات الدبلوماسية الجزائرية يمر عبر تحليل مبادئها الثابتة وأولوياتها الجيوسياسية، إلى جانب قراءة التحولات التي فرضتها البيئة الإقليمية والدولية خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح بوعلي أن السياسة الخارجية الجزائرية تقوم تاريخيا، على مجموعة من المبادئ الراسخة التي شكلت الإطار المرجعي لصانع القرار الدبلوماسي، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو مبدأ ظل ثابتا في توجهات الجزائر منذ الاستقلال. ويرتبط هذا المبدأ بطبيعة الدولة الجزائرية التي نشأت من رحم ثورة تحريرية، ما جعل دعم حق الشعوب في تقرير مصيرها أحد المرتكزات الأساسية في سياستها الخارجية.
وأشار محدثنا إلى أن الجزائر حرصت على الدوام على ترجيح الحلول السلمية للنزاعات الدولية، من خلال تشجيع الحوار والوساطات الدبلوماسية واللجوء إلى آليات التحكيم الدولي، في مسعى دائم لتجنب منطق القوة والصراعات المسلحة، مبرزا مبدأ حسن الجوار والتعاون الإقليمي كأحد الأعمدة الأساسية في السياسة الخارجية الجزائرية، وهو ما يترجم من خلال الحضور الفاعل للجزائر داخل المنظمات الإقليمية والدولية، على غرار جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي.
وأشار بوعلي إلى أن البعد الجيوسياسي والأمني أصبح يشكل أحد المحددات الأساسية للسياسة الخارجية الجزائرية، بالنظر إلى طبيعة البيئة الإقليمية التي تنتمي إليها الجزائر، خاصة في منطقة شمال إفريقيا والساحل الإفريقي، التي تعرف منذ سنوات تحديات أمنية متزايدة مرتبطة بظواهر الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.
ولذلك تعمل الجزائر، بحسب المتحدث، على تعزيز التعاون الأمني مع شركائها الإقليميين والدوليين لمواجهة هذه التهديدات، وهو ما يفسر تطور بعض الشراكات الأمنية مع قوى دولية، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار الجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار في المنطقة.




