خطى ثابتة نحو ترسيخ مكانة بلادنا كواحدة من أكبر القوى الإقليمية المؤثرة
يعيش العالم اليوم على وقع أزمة طاقوية وتوترات جيوسياسية ألقت بظلالها الثقيلة على الأسواق الدولية، حيث ساهمت هذه التجاذبات بشكل كبير في دفع أسعار النفط لتتجاوز عتبة 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ سنة 2022، وسط مخاوف متزايدة بشأن أمن الإمدادات.
في خضم المشهد العالمي المضطرب، تبرز الجزائر كمنطقة آمنة مستقرة ومستدامة، تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانتها كواحدة من أكبر القوى الإقليمية والمؤثرة في مجال إنتاج وتصدير الطاقة، مستندة في ذلك إلى بنية تحتية متطورة وموارد طبيعية هائلة وموثوقية تاريخية تجعلها شريكا استراتيجيا قادرا على تلبية احتياجات الأسواق في بيئة اقتصادية تتسم بالتقلب المستمر.
وتستند المكانة المحورية أولا إلى الإمكانات الهائلة التي تمتلكها البلاد من المحروقات، حيث تتجاوز احتياطياتها المؤكدة من الغاز الطبيعي 4 تريليون متر مكعب، يضاف إليها نحو 20 تريليون متر مكعب من الغاز الصخري، مما يضع الجزائر ضمن قائمة أكبر الاحتياطات العالمية.
كما تعتمد الإمدادات الجزائرية على شبكة عملاقة من أنابيب التصدير التي تعد الأكبر في المنطقة، وهي تستعد لتعزيز هذه البنية بمشروع استراتيجي يتمثل في أنبوب الغاز العابر للصحراء، والذي سينقل الغاز النيجيري عبر النيجر ثم الجزائر وصولا إلى القارة الأوروبية، بطاقة ضخ تبلغ 30 مليار متر مكعب سنويا، حيث من المنتظر أن تنطلق الأشغال الفعلية في هذا المشروع الحيوي بعد شهر رمضان. وفي سياق متصل، تهدف السياسة الطاقوية للبلاد إلى بلوغ مستوى 100 مليار متر مكعب من الصادرات الغازية الصافية بحلول سنة 2030، وهو هدف يعزز من قدراتها التصديرية ويضمن موقعها ضمن قائمة أكبر خمسة مصدرين للغاز في العالم.
وبالموازاة مع استثماراتها الكبرى في قطاع المحروقات التقليدية، تعول الجزائر بشكل استراتيجي ومكثف على إمكاناتها الطبيعية في مجال الطاقات المتجددة لتنويع مصادر دخلها ومزيجها الطاقوي، إذ تعد من أغنى دول العالم بالإشعاع الشمسي، بمتوسط تشميس يتجاوز 3000 ساعة سنويا على المستوى الوطني، بينما يصل هذا المعدل إلى 3900 ساعة في الصحراء الكبرى، بإشعاع يتعدى 2500 كيلوواط ساعي في المتر المربع. وقد دفع هذا المعطى الطبيعي السلطات إلى إطلاق برنامج وطني لتوليد الكهرباء من الموارد المتجددة، يهدف إلى إنتاج 15 ألف ميغاواط بحلول عام 2035، بمعدل إضافة 1000 ميغاواط سنويا، حيث تشهد سنة 2026 الحالية دخول عدة محطات حيز الخدمة الفعلية بقدرة إجمالية تبلغ 1480 ميغاواط. وتتصدر محطة “تندلة” بولاية المغير قائمة المشاريع المتقدمة بنسبة إنجاز تجاوزت 93 بالمائة وبقدرة 200 ميغاواط، تليها محطة “الغروس” بولاية بسكرة بنسبة 86 بالمائة وبنفس القدرة، ثم محطة “فوليا” بالوادي بنسبة 76 بالمائة وبقدرة 300 ميغاواط، لتلتحق بها تدريجيا محطات أخرى جاري إنجازها في بسكرة، أولاد جلال، المسيلة والعبادلة بولاية بشار.
علاوة على ذلك، لا تتوقف الإمكانات الجزائرية عند حدود الطاقة الشمسية، بل تمتد لتشمل طاقة الرياح التي تشكل رافدا مهما في مسار الانتقال الطاقوي، فقد أشار تقرير “آفاق الطاقة في إفريقيا” الصادر عن مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي، وبالتعاون مع المجلس العالمي لطاقة الرياح، إلى امتلاك الجزائر أكبر قدرات في هذا المجال على مستوى القارة الإفريقية بنحو 7700 جيغاواط، وهي قدرات واعدة بدأ استغلالها فعليا منذ سنوات، حيث جسدت محطة “كابرتان” بولاية أدرار، التي دخلت الخدمة في جوان 2014 بقدرة 10.2 ميغاواط، أولى الخطوات العملية في هذا المسار، ويتم حاليا ضخ الطاقة المنتجة منها مباشرة في الشبكة الوطنية.
من جهة أخرى، تتوجه الأنظار نحو الاستثمار في إنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر، حيث تتوفر الجزائر على إمكانات تؤهلها لتلعب دورا محوريا على الساحة الدولية، خاصة في ظل الطلب الأوروبي المتزايد على هذا المصدر الطاقوي النظيف.



