تجفيف ما تبقى من فلول الجماعات الإرهابية وملاحقة عناصرها أينما وجدت
أفقد الضغط العملياتي المتواصل للجيش الوطني الشعبي، على بقايا الإرهاب، قدرة هذه الأخيرة على إعادة تشكيل نفسها أو استعادة مستوى النشاط الذي كانت عليه في فترات سابقة، وهو ما يفسر تراجع التهديد الإرهابي بشكل كبير داخل الجزائر، حسبما يؤكده الدكتور أحمد ميزاب المختص في القضايا السياسية والأمنية.
أبرز الخبير في الشأن الأمني، أحمد ميزاب في تصريح لـ “الشعب”، أن العملية التي نفذها الجيش الوطني الشعبي في ولاية تبسة نهاية الأسبوع المنقضي، تحمل دلالات عملياتية واستراتيجية مهمة في مسار مكافحة الإرهاب في الجزائر، والتي تأتي في سياق الجهود المتواصلة التي تبذلها مؤسسة الجيش الوطني الشعبي منذ سنوات بهدف تجفيف ما تبقى من فلول الجماعات الإرهابية وملاحقة عناصرها أينما وجدت.
واعتبر ميزاب أن هذه العملية تؤكد حقيقة أساسية مفادها أن التهديد الإرهابي في الجزائر لم يعد يمتلك البنية التنظيمية التي عرفها خلال مرحلة التسعينيات، لكنه ما يزال قائما في شكل خلايا معزولة أو عناصر متحصنة في مناطق وعرة تسعى إلى الحفاظ على قدر من النشاط المحدود، لذلك فإن العمليات النوعية التي تنفذها القوات المسلحة تندرج ضمن مقاربة استباقية تقوم على الرصد المسبق والتحرك السريع لإحباط أي محاولة لإعادة تنشيط هذه الخلايا
انطلاقا من تحليله، قال ميزاب أن معركة مكافحة الإرهاب في الجزائر لا تدار فقط بردود الفعل، بل ضمن رؤية أمنية تقوم على المبادرة الاستباقية وملاحقة التهديدات في مهدها، مشيرا إلى أن استشهاد ثلاثة من أفراد الجيش الوطني الشعبي أثناء تنفيذ هذه العملية يعكس طبيعة المواجهة الميدانية مع عناصر مسلحة ما زالت تتحرك في بيئات جغرافية صعبة ومعقدة.
وفي السياق، قال المتحدث أن زيارة الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة إلى مكان العملية النوعية تحمل في مضمونها عدة رسائل واضحة، تمثل في الوقت ذاته رسالة دعم معنوي للوحدات الميدانية التي تخوض هذه المعركة، بما يعزز روح الالتزام والانضباط داخل صفوفها، وتؤكد كذلك أن القيادة العسكرية تتابع عن قرب سير العمليات في الميدان وأن معركة مكافحة الإرهاب تظل أولوية ثابتة لا تهاون فيها.
كما أكد الخبير في الشأن الأمني أن الجهود الأمنية والاستخباراتية، ساهمت في تضييق الخناق على مسارات التمويل والدعم اللوجستي التي كانت تمثل شريان الحياة بالنسبة لهذه الجماعات، ونتيجة لهذا الضغط العملياتي المتواصل، فقدت التنظيمات الإرهابية القدرة على إعادة تشكيل نفسها أو استعادة مستوى النشاط الذي كانت عليه في فترات سابقة، وهو ما يفسر تراجع التهديد الإرهابي بشكل كبير داخل الجزائر.
وبفعل هذا الضغط العملياتي المتواصل، تحول النشاط الإرهابي في الجزائر من تهديد واسع ومنظم إلى نشاط محدود ومعزول بل منعدم – يقول ميزاب- وهو الأمر الذي يعكس حجم التقدم الذي حققته الجزائر في مجال مكافحة الإرهاب، وترسيخ الأمن والاستقرار وتحولها إلى مرجع في مجال مكافحة الإرهاب، مشيرا إلى أن مثل هذه العمليات الميدانية، لم تحقق فقط نتائج ميدانية، بل تركت أيضا أثرا نفسيا وعملياتيا واضحا داخل صفوف الجماعات الإرهابية.
وأكد المتحدث في هذا الصدد أن الضغط الأمني والعسكري المتواصل على مدى سنوات، خلق حالة إنهاك حقيقي لدى ما تبقى من هذه العناصر، وقلص بشكل كبير هامش تحركها وقدرتها على المبادرة، كما دفعت هذه الظروف عددا من الإرهابيين إلى اختيار تسليم أنفسهم للسلطات، مصحوبين في كثير من الحالات بالأسلحة التي كانت بحوزتهم.
وبالنسبة للخبير الأمني ميزاب، فإن لهذه العملية أيضا أهمية، تبرز البعد الحدودي في الإستراتيجية الجزائرية لمكافحة الإرهاب، فتنفيذ العملية في ولاية تبسة، وهي منطقة حدودية، يعكس إدراكا واضحا لطبيعة التحديات الأمنية التي يفرضها المحيط الجيوسياسي المعقد الذي تتحرك فيه الجزائر، خاصة في ظل الاضطرابات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل الإفريقي، حيث تنشط جماعات إرهابية وشبكات تهريب عابرة للحدود تستفيد من هشاشة بعض الدول المجاورة ومن الطبيعة الجغرافية الصعبة للمنطقة.
ويذكر المتحدث في الأخير، بالتجربة العميقة التي راكمتها الجزائر في مكافحة الإرهاب، مشيرا إلى أن هذه التجربة تقوم على ثلاثة عناصر ممثلة في الجاهزية العسكرية، العمل الاستخباراتي، والضغط العملياتي المستمر، مما يؤكد- حسبه- أن مثل هذه العمليات تؤكد أن الجيش الوطني الشعبي يواصل أداء دوره في حماية البلاد وتطهيرها من بقايا الإرهاب مهما كانت طبيعة التهديدات.




