في سجون الاحتلال، لا تُقاس المعاناة بعدد السنوات فقط، بل بما يُنتزع من الإنسان خلالها. بالنسبة لخالدة جرار، لم يكن الأسر مجرّد حرمان من الحرية، بل محاولة متواصلة لكسر امرأة تعرف تمامًا لماذا تقف، ولماذا تدفع الثمن.
اعتُقلت خالدة مرارًا، وفي كثير من الأحيان وُضعت تحت الاعتقال الإداري؛ هذا الشكل القاسي من الأسر الذي لا يمنح الأسير حتى حق معرفة تهمته أو موعد الإفراج عنه. أن تعيش وأنت لا تعرف متى تنتهي محنتك، يعني أن تعيش في قلق دائم، في انتظار مفتوح، وكأن حياتك كلها معلّقة بخيط غير مرئي.
داخل الزنزانة، واجهت خالدة ظروفًا قاسية: غرف ضيقة، برد قارس شتاءً، وحرّ خانق صيفًا، تفتيش مهين، وإهمال طبي، خاصة مع تقدّمها في السن ومعاناتها الصحية. جسد المرأة هنا لا يُعامل برفق، بل يُترك ليستنزف ببطء، وكأن الألم جزء من العقوبة.
لكن الأشد قسوة هو البُعد الإنساني. خالدة، كغيرها من الأسيرات، حُرمت من عائلتها، من دفء البيت، من أن تكون امرأة في حياتها الطبيعية. الزيارة ليست حقًا مضمونًا، بل امتيازًا قد يُمنح أو يُسحب كعقاب. تخيّل أن ترى أحبابك من خلف حاجز زجاجي، أو أن تُحرم من رؤيتهم لشهور وسنوات.
ورغم كل ذلك، لم تتحول خالدة إلى امرأة مكسورة. في السجن، واصلت دورها التوعوي، ناقشت، قرأت، وساندت أسيرات أخريات، خاصة الشابات منهن، اللواتي دخلن الأسر للمرة الأولى وكنّ بحاجة إلى من يعلّمهن كيف يصمدن دون أن ينهار القلب.
قصة خالدة جرار تكشف حقيقة مؤلمة: الأسيرة الفلسطينية لا تُسجن وحدها، بل يُسجن معها صوتها، ودورها، ووجودها في المجتمع. ومع ذلك، تخرج الأسيرات – إن خرجن – أكثر صلابة، لأن السجن لم ينجح في تحويلهن إلى ظلال.
خالدة ليست رمزًا لأنها لم تتألم، بل لأنها تألمت وبقيت واقفة لأن السجّان حاول أن يحاصرها بالجدران، فوسّعت هي المساحة داخلها. ولأن القيد، مهما كان قاسيًا، لم يستطع أن ينتزع منها قناعتها الأعمق:
أن الحرية قد تُؤجَّل…لكنها لا تُلغى.







