لا تفصلنا عن نهاية الشهر الفضيل سوى أيام قليلة، حيث بدأ العد التنازلي لاستقبال عيد الفطر المبارك، ويتضح جليا كم أنفق الجزائريون في شهر الصيام؟ وبعبارة أدق..ما هي ميزانية الأسر الجزائرية في شهر رمضان؟ ما يضع هذه الميزانية التي تعود مع عودة شهر الصيام كل سنة تحت المجهر. وكما يبقى هذا الشهر مرآة حقيقية لسلوك الاستهلاك العائلي في المجتمع الجزائري، ما يضع ميزانية رمضان حيز الاهتمام لفهم كيف تدير الأسر دخلها خلال هذه الفترة المميزة من السنة.
من أجل الوقوف على حقيقة ما أنفقه الجزائريون، أخذت “الشعب” عينة من المستهلكين التقتهم في جولة ميدانية بعدد من الأسواق والأحياء في العاصمة، والجدير بالإشارة فإنه يتضح أن معدل ميزانية نفقات شهر الصيام للعديد من العائلات الجزائرية تتراوح بين 50 ألف و100 ألف دج، كما تختلف حسب عدد أفراد الأسرة ونمط الاستهلاك. وبين حرص الأمهات على تنويع الأطباق، وسعي الآباء إلى ضبط النفقات، تتشكل يوميا قصة صغيرة من الذكاء في التسيير العائلي لدى البعض، حيث ينجح الكثير من المواطنين في التوفيق بين متطلبات المائدة الرمضانية وروح الاعتدال التي يدعو إليها هذا الشهر، استعدادا لاستقبال عيد الفطر بأجواء من البهجة والطمأنينة.
إنفاق لا يخرج عن تخطيط مسبق
ومع حلول شهر رمضان، تتغير وتيرة الحياة اليومية لدى العائلات الجزائرية، وتتغير معها طبيعة أنماط الاستهلاك والإنفاق. فالمائدة الرمضانية، بما تحمله من أطباق تقليدية ومتنوعة، تفرض مصاريف إضافية مقارنة ببقية أشهر السنة، ما يدفع الكثير من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية من أجل التوفيق بين متطلبات الشهر الفضيل، والحفاظ على توازن الميزانية العائلية.
ومن أجل الوقوف على متوسط الإنفاق، أكدت العديد من الأسر أن الإنفاق في شهر رمضان يبقى أعلى نسبيا، لكنه لا يخرج عن إطار التخطيط المسبق. فالأسر تحاول توزيع مصاريفها بين المواد الأساسية مثل الخضر والفواكه واللحوم والدجاج والبيض،إضافة إلى مستلزمات الحلويات التقليدية التي يزداد الإقبال عليها مع اقتراب عيد الفطر.
وفي هذا السياق، يقول محمد بن يوسف البالغ من العمر 42 سنة، وهو أستاذ تعليم ثانوي وأب لثلاثة أطفال، إن ميزانية عائلته خلال شهر رمضان تقدر بحوالي 80 ألف دج، مؤكدا في نفس السياق: “نحاول قدر الإمكان أن نخطط لمصاريفنا منذ بداية الشهر، فنشتري المواد الأساسية بكميات معقولة، ونتجنب التبذير..صحيح أن المائدة الرمضانية تتطلب تنوعا في الأطباق، لكن الأهم هو الاعتدال في الإنفاق والاستهلاك لأنه شهر العبادة والتضامن وخير أشهر السنة..”.
المرأة سر التوازن داخل المطبخ
من جهتها، ترى السيدة فاطمة الزهراء قاسمي البالغة من العمر 53 سنة وهي ربة بيت وأم لأربعة أطفال، أن سر التحكم في ميزانية رمضان يكمن في حسن التدبير داخل المطبخ. وأوضحت تقول: “ميزانيتنا تقارب 50 ألف دج، ورغم ذلك نحاول من خلالها توفير كل ما تحتاجه المائدة من خضر وفواكه ولحوم بكميات صغيرة، ونحضر الخبز والحلويات الرمضانية في المنزل، وإلى جانب ذلك نحرص على استغلال كل شيء وعدم رمي الطعام حتى الخبز المتبقي نحتفظ به جيدا ونعيد عملية تسخينه في اليوم الموالي”.
أما السيدة سلمى عبادي البالغة من العمر 45 وهي موظفة في قطاع الإدارة، وأم لطفلين، فأكدت أن التخطيط المسبق يساعد كثيرا على تفادي المصاريف المفاجئة. وأضافت قائلة: “..نضع قائمة للمشتريات مسبقا وقبل الذهاب إلى السوق، وإلى جانب ذلك نركز كثيرا على المواد الأساسية وكذا تحديد كل ما نحتاجه من حلويات وفواكه.. وبهذه الطريقة نستطيع التحكم في الميزانية التي تصل تقريبا إلى 100 ألف دج طيلة شهر رمضان الفضيل على اعتبار أن والدي زوجي يقضيان معنا شهر رمضان، ونحرص على أن تكون المائدة الرمضانية نوعا ما متنوعة ووجبتي الإفطار والسحور مغذيتين ومتكاملتين.
ومن بين الشهادات التي استوقفتنا خلال الجولة في الأسواق، حديث السيد عبد القادر الذي يبدو أنه يقارب عقده السادس، وهو أب لثلاثة أطفال، أكد أن ميزانية أسرته خلال شهر رمضان لا تختلف كثيرا عن بقية أشهر السنة. ويوضح قائلا إن دخله المحدود يفرض عليه الالتزام بنفس سقف المصاريف تقريبا، حيث لا تتجاوز الميزانية العائلية 60 ألف دج شهريا، وهو المبلغ الذي يخصصه لتغطية مختلف الاحتياجات الأساسية للأسرة.
ويضيف عبد القادر أن زوجته لا تعمل، ما يجعله المعيل الوحيد للعائلة، الأمر الذي يدفعهما معا إلى الاعتماد على حسن التدبير وتجنب التبذير قدر الإمكان. ويشير إلى أن زوجته تحاول التوفيق بين الإمكانيات المتاحة ومتطلبات المائدة الرمضانية من خلال إعداد أطباق بسيطة لكنها كافية، مؤكدا أن روح الشهر الفضيل لا تقاس بكثرة الأطباق، بقدر ما تقاس بأجواء التضامن والرضا داخل الأسرة، في انتظار حلول عيد الفطر الذي يحرصون على استقباله بما يتيسر من فرحة وبساطة.
السّوق بين الوفرة واعتدال الاستهلاك
وجمعنا بعض تصريحات التجار في الأسواق وضمّت ملاحظات هامة تتمثل في تأكيدهم أن العائلات أصبحت أكثر وعيا في طريقة إنفاقها خلال السنوات الأخيرة، حيث يفضل الكثيرون شراء ما يحتاجونه فقط دون مبالغة في الكميات، وهناك من ينتهج أسلوب ما يستهلك لفترة قصيرة لا تتعدى ثلاثة أيام. كما أن وفرة العديد من المواد الغذائية، خاصة الخضر والبيض والدواجن، ساهمت في إبقاء الأسعار في مستويات معقولة، ما خفف نوعا ما من الضغط على ميزانيات الأسر. كما أكد بعض التجار أن المستهلك الجزائري أصبح يعتمد بشكل أكبر على المقارنة بين الأسعار والبحث عن العروض المناسبة، بل إن بعض العائلات تفضل التسوق في أوقات معينة من اليوم، مثل الفترة المسائية، للاستفادة من التخفيضات التي يعلنها التجار قبل إغلاق الأسواق.
ورغم اختلاف الميزانيات من أسرة إلى أخرى، يجمع كثير من المواطنين على أن جوهر رمضان لا يكمن في كثرة الأطباق بقدر ما يكمن في روح التضامن والتقاسم التي تميز هذا الشهر. فموائد الإفطار، مهما كانت بسيطة، تظل مناسبة للالتقاء العائلي وتعزيز روابط المحبة بين أفراد الأسرة.
وعلى ضوء كل ذلك يمكن القول إن شهر رمضان يبقى لدى العائلات الجزائرية موسما يجمع بين الروحانية وحسن التدبير الاقتصادي، حيث تحاول الأسر تحقيق التوازن بين متطلبات المائدة الرمضانية والحفاظ على استقرار ميزانيتها، في انتظار حلول عيد الفطر الذي يشكل بدوره محطة جديدة من الفرح والاستعدادات.







