استثمار البذور الهجينة فرصـة لتطوير الإنتاج الوطنـي
عرض الاجتماع التنسيقي الذي ترأسه وزير الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، ياسين وليد، رفقة وزير التعليم العالي والبحث العلمي كمال بداري، مشروعين استراتيجيين يتعلقان بإنتاج الشتلات بتقنية زراعة الأنسجة وإنتاج البذور الهجينة محليا، في إطار شراكة تجمع المؤسّسات البحثية والاقتصادية، ويهدف هذا التوجه إلى تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز تنافسية المنتجات الوطنية ودعم السيادة الغذائية.
أوضح الخبير الفلاحي أحمد المالحة، أنّ الحديث عن إنتاج الشتلات وإنتاج البذور يتعلق بموضوعين مختلفين، رغم ارتباطهما بسلسلة الإنتاج الفلاحي، وأكّد أنّ الجزائر حقّقت خطوات مهمة في مجال إنتاج الشتلات عن طريق زراعة الأنسجة، حيث توجد تجارب ومشاريع عديدة، خاصة لدى بعض المتعاملين في القطاع الخاص.
وأضاف، من أبرز مزايا هذه التقنية أنها تسمح بإنتاج كميات كبيرة من الشتلات في مساحات صغيرة، إذ يمكن للبيوت المتخصّصة أن تنتج ملايين الشتلات، ما يساهم في توفير مادة أولية ذات نوعية جيّدة للمزارعين ورفع مردودية الإنتاج الفلاحي.
أمّا فيما يتعلق بإنتاج البذور الهجينة، فأشار المالحة إلى أنّ هذا المجال أكثر تعقيدا ويتطلّب قدرات بحثية كبيرة وفرقا علمية متخصّصة، لأنّ تطوير صنف أو نوع جديد من البذور يحتاج إلى سنوات من البحث والتجارب. ورغم ذلك، لفت إلى أنّ الجزائر تمتلك بعض الإمكانات في هذا المجال، خاصة من خلال معهد الزراعات الواسعة بالحراش، الذي يعمل على تطوير وإنتاج بعض البذور.
وأفاد المتحدث لـ«الشعب”، أنّ التحدي الأكبر يتعلّق ببذور الخضر التي تستورد الجزائر منها ما يقارب 100 بالمائة، حيث تتراوح فاتورة استيرادها سنويا بين 50 و60 مليون دولار، وهو ما يجعل تطوير إنتاجها محليا هدفا اقتصاديا مهما.
وأكّد الخبير الفلاحي، على أنّ تحقيق تقدّم في هذا المجال يبقى ممكنا من خلال إقامة شراكات علمية وتكنولوجية مع دول متقدمة في هذا المجال، على غرار تركيا، بما يسمح بنقل الخبرات والتقنيات الحديثة، ويفتح المجال مستقبلاً لإنتاج البذور والشتلات محلياً وفق احتياجات الفلاحة الجزائرية.
وصرّح في ذات السياق، أنّ الجزائر شهدت خلال السنوات الماضية عدة محاولات لإطلاق مشاريع لإنتاج البذور عن طريق زراعة الأنسجة، من خلال تعاون بين وزارة التعليم العالي ووزارة الفلاحة، غير أنّ هذه المبادرات لم تكتمل رغم تقدّمها في بعض المراحل والتمويلات التي خصّصت لها.
وأضاف أيضا، أنّ من بين التجارب التي تم إطلاقها مشروع مخبر جزائري-كوري بولاية تيارت، تمّ إنشاؤه منذ أكثر من 15 سنة بهدف إنتاج بذور البطاطا عن طريق زراعة الأنسجة، غير أنّ هذا المشروع لم ير النور إلى يومنا هذا رغم أهميته.
وتابع الخبير مالحة، أنّ الجزائر وقّعت منذ حوالي سنة اتفاقية مع دولة البيرو التي تعتبر من أكبر الدول المنتجة للبطاطا، تم بموجبها منح الجزائر 18 صنفا من البطاطا، إضافة إلى توفير الأنسجة الخاصة بإنتاج البذور، وهي تقنية يمكن استعمالها أيضا في إنتاج بذور لمحاصيل أخرى، إلا أنّ هذه الإمكانات – بحسبه – لم تستغل بالشكل المطلوب.
كما أشار إلى أنه تم في وقت سابق إرسال عدد من المهندسين الزراعيين الجزائريين إلى كوريا الجنوبية، من أجل التكوين وتعلّم تقنيات زراعة الأنسجة الخاصة بإنتاج بذور البطاطا، غير أنّ هذه الخبرات لم تجسّد ميدانيا كما كان منتظرا.
وأوضح المتحدث، أنّ إنتاج البذور عن طريق تقنية زراعة الأنسجة ممكن تحقيقه، لكنه يتطلّب توفير تقنيات متطورة، إلى جانب الدعم والمرافقة وتكوين تقنيين متخصّصين في هذا المجال، وأكّد أنّ اعتماد هذه التقنية يعد خطوة مهمة نحو امتلاك قدرات علمية وفلاحية متقدمة.
وأضاف أنّ إنتاج البذور محليا يشكّل خطوة كبيرة في تعزيز الأمن الغذائي، خاصة وأنّ الجزائر تعتمد حاليا على استيراد البذور من عدة دول، في وقت تشهد فيه الساحة الدولية صراعات جيوسياسية قد تؤثّر على سلاسل التوريد، وهو ما برز بشكل واضح خلال جائحة كورونا التي قدّمت درسا مهما في هذا المجال.
وأشار إلى أنه إذا كانت الجزائر تسعى إلى تحقيق فلاحة مستدامة، فإنّه من الضروري التوجه إلى الاستثمار في مشاريع إنتاج البذور الهجينة عبر تقنية زراعة الأنسجة، لما لها من دور في تقليص الاستيراد وتعزيز السيادة الغذائية.
أمّا بخصوص شروط نجاح هذه التقنية، فتتمثل أساسا في توفير مهندسين وتقنيين مختصّين في إنتاج البذور عن طريق الأنسجة الهجينة، كما يمكن الاستفادة من الخبرات الدولية من خلال تكوين وتدريب مهندسين في هذا المجال، إضافة إلى ذلك، يتطلب الأمر توفير مخابر متطورة تسمح بإنتاج كميات أكبر من البذور، مع إمكانية الاستفادة من الإمكانات المتوفرة في الجامعات، بما يساهم في دعم الجهود الوطنية لتحقيق الأمن الغذائي.
وأضاف مالحة، أنه لا يمكن الحديث عن الإنتاج والتصدير دون التطرّق إلى الحلقة الأولى في العملية، وهي البذور وبنك الجينات المرتبط بها، فالبذور المخزنة في هذه البنوك تعد أساس العمل لإنتاج بذور قاعدية تستخدم لاحقا في تطوير بذور محلية.
وأشار إلى أنّ تحقيق ذلك يتطلّب استراتيجية محكمة ومستقرّة على المدى الطويل، خاصة وأنّ الجزائر تمتلك تنوعا كبيرا من البذور، منها ما اندثر ومنها ما أصبح نادرا، وأكّد أنّ نجاح هذه العملية يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق الاستقلالية الغذائية.
في الختام، أكّد الخبير الفلاحي أحمد مالحة، أنّ تطوير إنتاج البذور والشتلات عبر تقنية زراعة الأنسجة يمثل خطوة مهمة نحو تقليص الاستيراد وتعزيز الإنتاج الفلاحي، مشدّدا على أنّ الاستثمار في هذه التقنية وتطوير البحث العلمي سيساهمان في دعم الأمن والسّيادة الغذائية في الجزائر.







