تشهد الجزائر خلال السنوات الأخيرة حركية اقتصادية قوية، عمادها التنوع والاستثمار الأمثل للمقدرات الوطنية من الثروات الطبيعية. ويعد قطاع المناجم والتعدين من القطاعات الحيوية، التي يعول عليها الاقتصاد الوطني من أجل تركيبة أكثر تماسكا وحصانة ضدّ الهزات الاقتصادية العالمية.
يبرز منجم الرصاص والزنك بواد أميزور ببجاية، إلى جانب حديد غارا جبيلات بتندوف وفوسفات واد الحدبة بتبسة، كأقطاب استثمارية تشكّل مثلثا منجميا لصناعة تعدينية، ترفع من مداخيل البلاد من العملة الصعبة، وتوفّر مادة أولية للصناعات التحويلية محليا.
في السياق، يبرز الخبير في السياسات الحكومية، البروفيسور فارس هباش، الأهمية الاقتصادية لمنجم الرّصاص والزنك ببجاية، والذي سيدخل حيّز الاستغلال، كما يسلّط الضوء على المكانة التي سيمحنها للبلاد على صعيد عائدات الثروة المنجمية عالميا.
وأوضح هباش، في اتصال مع “الشعب”، أنّ مشروع استغلال منجم الزنك والرّصاص يندرج ضمن التوجّهات الاستراتيجية للدولة الجزائرية، الرامية إلى تنويع الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد على عائدات المحروقات.
حيث دعم هباش طرحه هذا بتعليمات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، خلال عدة اجتماعات لمجلس الوزراء على ضرورة تسريع وتيرة إنجاز هذا المشروع المنجمي الاستراتيجي، باعتباره أحد أهم المشاريع الصناعية في قطاع المناجم خلال السنوات الأخيرة، وركيزة أساسية في بناء اقتصاد وطني قائم على استغلال الموارد الطبيعية خارج قطاع النفط والغاز.
موقع استراتيجي ومخزون عالمي
قبل التطرّق لأهميته الاقتصادية وبعده التنموي، قدّم هباش بطاقة تقنية عن مشروع منجم تالا حمزة-واد أميزور، الذي يقع على بعد نحو 15 كيلومتراً من مدينة بجاية، وبالنظر إلى حجم مخزونه من الزنك والرصاص، يعد أكبر منجم للزنك والرصاص في الجزائر ومن بين أهم المناجم على المستوى العالمي. واستند المتحدث في ذلك إلى المعطيات الرسمية التي تشير إلى أنّ احتياطيات هذا المنجم تقدّر بنحو 53 مليون طن من خام الزنك والرصاص، منها حوالي 34 مليون طن قابلة للاستغلال الاقتصادي، ما يجعله واحدا من أكبر المناجم العالمية من حيث حجم الاحتياطات.
وتبلغ نسبة الزنك في هذه الاحتياطات نحو 78% مقابل 22 % من الرصاص، وهو ما يمنح المشروع -بحسب ذات المتحدث- أهمية استراتيجية كبيرة في سوق المعادن الصناعية عالميا.
وأضاف هباش أنّ ذات المشروع يتم إنجازه في إطار شراكة بين المجمّع المنجمي الجزائري “سونارام” والشركة الأسترالية “تيرامين”، باستثمار إجمالي يقارب 400 مليون دولار. ومن المتوقّع أن يدخل مرحلة الإنتاج الفعلي، حيث تم استكمال نسبة معتبرة جدا من الأشغال التحضيرية وبناء مركب المعالجة الصناعية الخاص بالمعدنين. وتشير التقديرات إلى أنّ الطاقة الإنتاجية للمنجم ستبلغ نحو 170 ألف طنّ من الزنك المركّز سنويا إضافة إلى عشرات الآلاف من الأطنان من الرصاص، وهو ما سيسمح بتلبية جزء كبير من الطلب الوطني على هذه المعادن، مع إمكانية توجيه الفائض نحو التصدير.
قيمة اقتصادية ونهاية التبعية النفطية
عن الأهمية الاقتصادية لهذا المشروع أفاد البروفيسور هباش، أنها تبرز في كونه يندرج ضمن استراتيجية الدولة لتطوير قطاع المناجم كرافد جديد للنمو الاقتصادي. فالمعادن الصناعية مثل الزنك والرصاص -تابع محدثنا- تشكّل موادا أولية أساسية في العديد من الصناعات الحديثة، من بينها صناعة السيارات والأجهزة المنزلية والبطاريات والمكونات الكهربائية، وهو ما يجعل الطلب العالمي عليها في تزايد مستمر.
وفي السياق، شدّد هباش أنه بات بمقدور الجزائر الدخول إلى سوق إنتاج الزنك على نطاق صناعي عالمي، وهو ما من شأنه أن يعزّز مكانتها ضمن الدول المنتجة للمعادن الاستراتيجية ويمنح الاقتصاد الوطني موردا إضافيا من العملة الصعبة خارج قطاع الطاقة.
كما تشير التقديرات الاقتصادية -بحسب ذات المتحدث- إلى أنّ المشروع يمكن أن يحقّق عائدات سنوية معتبرة، إذ يُنتظر أن تبلغ أرباحه نحو 60 مليون دولار سنويا مع بدء الإنتاج الكامل، فضلا عن دوره في تقليص فاتورة الاستيراد المتعلقة بالمعادن الصناعية التي تحتاجها الصناعة الوطنية. كما سيشكّل المشروع خطوة مهمة في تطوير سلسلة القيمة الصناعية في الجزائر، من خلال تشجيع الصناعات التحويلية المرتبطة بالمعادن، بما في ذلك الصناعات الميكانيكية والكيميائية، الأمر الذي يُسهم في توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني.
قطب استثماري ودعم الخدمات المحلية
إلى جانب انعكاساته على الاقتصاد الوطني، يتوقّع الخبير الاقتصادي أن يكون للمشروع أثر مباشر على التنمية المحلية في ولاية بجاية والمنطقة المحيطة بالمنجم. فحسب المعطيات الرّسمية، التي استدل بها المتحدث، سيوفر المشروع ما يقارب 780 منصب شغل مباشر إضافة إلى أكثر من 4 آلاف منصب عمل غير مباشر، في مجالات الخدمات والنقل والمناولة والصيانة. كما سيساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية المحلية عبر خلق فرص جديدة للمؤسّسات الصغيرة والمتوسطة، التي ستشارك في مختلف مراحل سلسلة الإنتاج والخدمات المرتبطة بالنشاط المنجمي.
كما أنّ تطوير المشروع سيساهم في تحسين البنية التحتية في المنطقة، حيث يرتبط إنجازه بتسريع مشاريع نقل ومواصلات حيوية، مثل تحسين الطرقات الرابطة بين المنجم وميناء بجاية، إضافة إلى مشاريع تطوير شبكة السّكك الحديدية، وهو ما يعزّز الربط اللوجستي ويسهّل نقل المواد الأولية والمنتجات المعدنية نحو الأسواق الوطنية والدولية. وتؤكّد السلطات أنّ هذه المشاريع المرافقة ستنعكس إيجاباً على التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة، من خلال دعم الخدمات المحلية وتحسين ظروف الاستثمار.
خطوة لتحرير الاقتصاد الوطني
في هذا السياق، ثمّن هباش، حرص القيادة العليا للبلاد على تحصين الاقتصاد الوطني، من خلال تنويع واستثمار جميع الموارد الطبيعية للبلاد، وهو ما تعكسه تعليمات رئيس الجمهورية بتسريع وتيرة استغلال منجم واد أميزور، كتوجّه استراتيجي واضح نحو إعادة بعث قطاع المناجم في الجزائر، باعتباره أحد المحرّكات المستقبلية للنمو الاقتصادي. فبعد عقود من الاعتماد الكبير على المحروقات، استطرد هباش، تسعى الدولة إلى تنويع مصادر الدخل عبر تطوير الثروات المعدنية الكبيرة التي تزخر بها البلاد، وهو ما يجعل من مشروع واد أميزور خطوة مهمة في مسار بناء اقتصاد أكثر تنوعا واستدامة. متوقعا أن يشكّل دخول هذا المنجم حيّز الإنتاج بداية مرحلة جديدة لقطاع التعدين الجزائري، بما يعزّز دور الموارد الطبيعية غير النفطية في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق تنمية محلية متوازنة.







