“الإنشـاءات الهندسيـة” إصدار جديــد لفائـدة الطّلبة والباحثـــين
كشف الديوان الوطني للمطبوعات الجامعية بالجزائر، عن إصدار علمي جديد يحمل عنوان “الإنشاءات الهندسية” للأستاذ الراحل محمد بن قادة، وذلك تزامنا مع إحياء اليوم العالمي للرياضيات الموافق لـ14 مارس من كل عام، وهو اليوم الذي اعتمدته منظمة اليونسكو احتفاء بالدور المحوري الذي تضطلع به الرياضيات في تقدم المعرفة الإنسانية وتطور العلوم.
أوضح الديوان الوطني للمطبوعات الجامعية في بيان له، أن إصدار هذا الكتاب يأتي بعد رحيل مؤلفه، في مبادرة وفاء من الديوان لتثمين هذا العمل العلمي وإبرازه، بعد أن قُدّر له ألا يرى النور في حياة صاحبه. ويهدف نشر هذا المؤلَّف اليوم إلى إحياء إرث علمي متميز وإتاحته أمام الطلبة والباحثين والمهتمين بالرياضيات، بما يضمن استمرار إسهامه في إثراء المعرفة العلمية، لا سيما في مجال الرياضيات الذي كرّس له صاحبه مسيرة علمية وتربوية طويلة.
وفي السياق ذاته، أعلن الديوان الوطني للمطبوعات الجامعية عن تنظيم يوم تكريمي للأستاذ الراحل محمد بن قادة، خلال فعاليات المعرض الدولي للكتاب لسنة 2026، وذلك تقديرا لمسيرته العلمية الحافلة واعترافا بإسهاماته البارزة في تطوير تعليم الرياضيات ونشر الثقافة العلمية في الجزائر.
ويعد الأستاذ محمد بن قادة من الأسماء البارزة في ميدان تعليم الرياضيات في الجزائر، حيث شغل بين سنتي 1986 و2006 منصب أستاذ مادة طرق تدريس الرياضيات بالمدرسة العليا للأساتذة بالقبة. وخلال هذه الفترة، أسهم في تكوين أجيال متعاقبة من الأساتذة الذين حملوا مشعل تعليم الرياضيات في مختلف المؤسسات التربوية عبر الوطن، ما جعله واحدا من الوجوه الأكاديمية التي تركت أثرا واضحا في مسار التعليم العلمي بالجزائر.
وعُرف الراحل بشغفه العميق بالرياضيات وحرصه الدائم على متابعة أحدث مستجداتها العلمية. فقد كان يخصص جزءا معتبرا من وقته لاقتناء واستنساخ الكتب المتخصصة ومطالعة المجلات العلمية العالمية، لاسيما المجلة الأمريكية:
American Mathematical Monthly”،
حيث كان يبحث بشغف عن المسائل الرياضية المعقدة، مستمتعا بمحاولة حلها ومناقشة أفكارها وتحليل أبعادها العلمية.
كما ترك بصمة معتبرة في مجال التأليف والترجمة العلمية، إذ ألّف عددا من الكتب المدرسية في الرياضيات خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1976 و1984، إلى جانب ترجمته لعدة مؤلفات علمية أسهمت في إثراء المكتبة الأكاديمية. ويُعد كذلك من المبادرين إلى تأسيس المنافسات الأولمبية المغاربية في الرياضيات سنة 1977، انطلاقا من إيمانه العميق بأهمية اكتشاف المواهب الشابة وتشجيع التميز العلمي بين الطلبة.
ومن الجوانب اللافتة في مسيرته الفكرية موقفه المبكر من قضية اللغة العربية في التعليم العلمي. فقد عاش خلال ثلاثينيات القرن الماضي تجربة قاسية في المدرسة الفرنسية، حيث كان يُمنع التلاميذ من التخاطب بالعربية داخل الأقسام وحتى خلال فترات الاستراحة. وقد تركت تلك التجربة أثرا عميقا في نفسه، ورسخت لديه منذ الصغر وعيا قويا بأهمية اللغة العربية وضرورة ترسيخ حضورها في مجالات المعرفة، ولا سيما في العلوم الدقيقة.
وانطلاقا من هذا الإيمان، حرص الأستاذ محمد بن قادة في كتابه “الإنشاءات الهندسية” على اعتماد الترميز العربي في كتابة النصوص العلمية، في خطوة تعكس قناعته الراسخة بقدرة اللغة العربية على احتضان الخطاب العلمي الحديث والتعبير بدقة عن المفاهيم الرياضية المتقدمة. ولم يكن هذا الخيار مجرد قرار تقني، بل موقفا معرفيا وثقافيا يبرهن على قدرة العربية على مواكبة التطور العلمي واستخدام أحدث الوسائل والبرمجيات في عرض القضايا الرياضية.
ويتضمن الكتاب أيضا إشارات علمية وتاريخية مهمة، من بينها موضوعات تتعلق بتاريخ الرياضيات بالمدرسة العليا للأساتذة بالقبة، إضافة إلى التطرق إلى بعض القضايا العلمية مثل نظرية المعادلات التفاضلية الجزئية غير الخطية، مع الإشارة إلى جهود الأستاذ الدكتور عبد الحفيظ مقران في هذا المجال.
ويجسد هذا الإصدار العلمي والتكريم المرتقب اعترافا بالدور الرائد الذي لعبه الأستاذ محمد بن قادة في خدمة الرياضيات والتعليم، وإبرازا لإرث علمي وثقافي سيظل مصدر إلهام للأجيال القادمة. فإسهاماته في المدرسة الجزائرية وفي حقل التعليم العالي تتجاوز حدود الكلمات، وتبقى شاهدا على مسيرة حافلة بالعطاء العلمي والتربوي.
وبهذا المعنى، فإن نشر هذا العمل اليوم لا يمثل مجرد إصدار علمي جديد، بل رسالة وفاء لأستاذ كرّس حياته للعلم والتربية، وترك بصمة خالدة في مسيرة تعليم الرياضيات في الجزائر. ورغم رحيله، فإن إسهاماته العلمية والتربوية تظل راسخة في الذاكرة الأكاديمية، تواصل إلهام الأجيال وتعزيز مكانة الرياضيات في مسار المعرفة الإنسانية.






