كشفت الباحثة الجزائرية في علم النفس العيادي إلهام بوداود عن إصدارها الجديد الذي يقدّم تصوّرا مبتكرا لتطوير الذاكرة وتحسين آليات الحفظ، من خلال كتاب تفاعلي يؤسّس لما تسمّيه «تقنية التذكر الإشراطي بآلية التسبيح اليدوي».
أوضحت إلهام بوداود في تصريح لـ «الشعب»، أنّ هذا العمل يجمع بين البعدين المعرفي والفيزيولوجي، في محاولة لتقديم منهجية جديدة تساعد المتعلمين على تثبيت المعلومات واسترجاعها بطريقة أكثر فاعلية وتنظيما.
وأشارت بوداود إلى أن الفكرة الأساسية للكتاب تقوم على ما تصفه بـ «الإجراء الشّرطي المزدوج»، وهو نظام يعتمد على تنظيم عملية التذكر من خلال بعدين متكاملي. ويتمثل الأول في «الإجراء الشرطي المعرفي»، الذي يقوم على بناء استجابة ذهنية شرطية عبر استنساخ الاستجابة الطبيعية التي تحدث لدى المتعلم في لحظة ذروة الحفظ، ثم تعميمها على مختلف الوحدات النصية. وبذلك تتحول عملية الحفظ، وفق توضيحها، من مجرد تكرار تقليدي إلى نمط من التنظيم الذهني الذي يسمح باسترجاع المعلومات وفق بنية مترابطة ومتسلسلة.
أمّا البعد الثاني فيرتبط بما تسميه «الإجراء الشرطي الفيزيولوجي»، حيث يتم استثمار الحركة الطبيعية للتسبيح بالأنامل، باعتبارها نقاطا حركية متتابعة تساعد على تثبيت المعلومات وربطها بتسلسل معين، ما يسهل استرجاعها لاحقا.
وتضيف المتحدّثة أنّ التقنية لا تعتمد فقط على التمرين الحركي أو الذهني، بل تتضمّن كذلك صيغة رياضية تمكّن من استنتاج أرقام الآيات دون الحاجة إلى حفظها بطريقة تقليدية، مؤكدة أن تفاصيل هذه الآلية قد تم شرحها بشكل موسع في الكتاب التفاعلي.
وعن الدافع الذي قادها إلى تأليف هذا العمل، أوضحت بوداود أن الفكرة انطلقت من ملاحظتها للصعوبات التي يواجهها كثير من المتعلمين في تثبيت المعلومات واسترجاعها، خاصة عند التعامل مع النصوص الطويلة. ومن خلال تجربتها في المجالين النفسي والبيداغوجي، لاحظت أن الذاكرة لا تستجيب للحفظ التلقيني وحده، بل تحتاج إلى نظام تنظيمي يجمع بين النشاط الذهني والحركي للجسم.
ومن هنا، تقول المتحدّثة، جاءت فكرة تطوير آلية تعتمد على الربط بين الحركة الطبيعية للتسبيح بالأنامل وبناء استجابات شرطية معرفية وفيزيولوجية، تسهم في ترسيخ المعلومات بطريقة أكثر ثباتا.
وأضافت أنّ العمل يجمع بين الخلفية الأكاديمية والتجربة التطبيقية، إذ اعتمدت في تطوير هذه التقنية على منهج تجريبي، مستند إلى دراستها الجامعية في علم النفس العيادي.
كما أجرت دراسة استطلاعية على عيّنة من طلاب المدارس القرآنية وبعض المساجد، حيث تمّ تقسيم المشاركين إلى مجموعتين: مجموعة اعتمدت تقنيات الحفظ التقليدية، وأخرى تدرّبت على تقنية التذكر الإشراطي بآلية التسبيح اليدوي، وأظهرت النتائج، بحسبها، وجود فروق ملحوظة في مستوى الاسترجاع والتثبيت بين المجموعتين، وكانت لصالح المجموعة التجريبية، ما يعكس فاعلية التقنية ويفتح المجال لتطويرها في دراسات لاحقة.
وبخصوص الفئة المستهدفة من هذا الإصدار، أكّدت بوداود أنّ الكتاب موجّه أساسا لكل الفئات التي تمتلك الحد الأدنى من مهارات القراءة والكتابة والحساب، بما في ذلك الطلبة وحفّاظ القرآن وكل من يسعى إلى تطوير قدرته على الحفظ والتذكر، غير أنّها أشارت إلى أن التقنية لا تقتصر على هذه الفئات فقط، لأنها تعتمد كذلك على آلية حركية يمكن توظيفها عبر التدريب العملي، ما يتيح إمكانية تطبيقها لدى فئات أخرى، بما في ذلك بعض الأشخاص من ذوي الإعاقة السمعية أو البصرية.
وأوضحت المتحدّثة أنّ الكتاب يصدر ضمن مطبوعات مركز البحث في العلوم الإسلامية والحضارة بالأغواط، بعد أن خضع للتحكيم العلمي من طرف المجلس العلمي للمركز، في إطار شراكة علمية بين الباحثة والمؤسسة البحثية.
كما كشفت بوداود عن مشاريع أخرى تعمل عليها حاليا امتدادا لهذا العمل، من بينها إعداد كتاب تفاعلي جديد يهدف إلى تسهيل حفظ المتون والمراجع التعليمية، إلى جانب تطوير برنامج تدريبي لتنشيط الذاكرة لدى الأطفال بمستويات تراكمية تساعد على تقوية التركيز والحد من صعوبات التعلم. وتشمل مشاريعها كذلك البحث في الأصالة النبوية لآلية التسبيح اليدوي في إطار دراسات الإعجاز العلمي، إضافة إلى إعداد نسخة باللغة الإنجليزية من الكتاب لتوسيع دائرة الاستفادة من هذه التقنية على المستوى الدولي.






