يحلّ شهر رمضان، شهر الرحمة والسكينة، فتتجه قلوب المسلمين إلى الصيام والعبادة، وتلتف العائلات حول موائد الإفطار في أجواء روحانية تعبق بالمحبة والتكافل. غير أن هذا المشهد الإنساني الدافئ يغيب تمامًا خلف جدران سجن سجن الدامون، حيث تقبع الأسيرات الفلسطينيات في واقع قاسٍ تختلط فيه مرارة الأسر بوجع الجوع ومحاولات كسر الإرادة.
هناك، خلف الأبواب الحديدية الباردة، تصوم الأسيرات رمضان في ظروف بالغة القسوة، تحت وطأة سياسات عقابية تمارسها إدارة السجون، تقوم على التضييق والتجويع وحرمانهن من أبسط الحقوق الإنسانية التي يفترض أن تكفلها القوانين والمواثيق الدولية للأسرى والمعتقلين.
رمضان بلا مائدة..وصيام بلا كفاية
في الوقت الذي ينتظر فيه الصائمون لحظة الإفطار على موائد عامرة بالطعام، تعيش الأسيرات في سجن الدامون واقعًا مختلفًا تمامًا؛ فالغذاء المقدم لهن شحيح، وكمياته لا تكفي لسد رمق الجوع بعد يوم طويل من الصيام.
لا وجبات كافية، ولا طعام يليق بكرامة إنسان، بل وجبة هزيلة في كثير من الأحيان، تفتقر إلى أبسط مقومات التغذية، وكأن الجوع أصبح أداة إضافية للعقاب.
ولا يقف الأمر عند حد قلة الطعام، بل يمتد إلى رداءة نوعيته وسوء توقيت تقديمه، ما يحوّل لحظات الإفطار والسحور إلى معاناة يومية تتكرر مع كل يوم من أيام الشهر الفضيل.
محاولات لكسر الإرادة
لكن معاناة الأسيرات لا تختصر في الجوع وحده، فسياسات التضييق داخل السجن تبدو جزءًا من محاولة ممنهجة لكسر إرادة المرأة الفلسطينية الأسيرة.
فالتفتيش المهين، والإهمال الطبي، والحرمان من الاحتياجات الأساسية، كلها ممارسات تفرض واقعًا قاسيًا تحاول من خلاله إدارة السجون إخضاع الأسيرات نفسيًا ومعنويًا.
ومع ذلك، تبقى الأسيرات متمسكات بصبرهن وإيمانهن، يحاولن أن يصنعن من ضيق الزنازين فضاءً للثبات، ومن قسوة السجن مدرسة للصمود.
روح رمضان خلف الجدران
رغم القيد والجوع، تحاول الأسيرات أن يحافظن على روح رمضان داخل الزنازين.
يتشاركن ما تيسر من الطعام القليل، ويتقاسمن لحظات الدعاء والذكر، ويستحضرن دفء العائلة وذكريات الإفطار في البيوت الفلسطينية التي تركنها خلفهن.
إنه رمضان مختلف…رمضان الصبر والصمود، حيث يتحول الصيام من عبادة فردية إلى معركة كرامة وصبر في وجه القهر.
صرخة إنسانية
إن ما تعانيه الأسيرات في سجن الدامون خلال شهر رمضان لا يمكن اعتباره مجرد ظروف اعتقال عادية، بل هو انتهاك صارخ للحقوق الإنسانية الأساسية التي يفترض أن تحمي الأسرى، وخاصة النساء.
فالجوع لا ينبغي أن يكون وسيلة عقاب، والكرامة الإنسانية لا يجوز أن تُسلب خلف القضبان.
في ختام سطور مقالي
ورغم كل هذا الألم، تبقى الأسيرات الفلسطينيات شاهدات على قوة الإرادة الإنسانية.
فخلف القضبان، وبين جدران السجن القاسية، يواصلن الصيام والصبر، ويثبتن أن القيود قد تحاصر الجسد، لكنها لن تستطيع أن تكسر روح الحرية أو إرادة الكرامة.
وفي رمضان، حين ترتفع أكفّ الدعاء في كل مكان، تبقى دعوة واحدة تتردد في قلوبهن:
أن يأتي يوم يفطرن فيه على مائدة الحرية…لا خلف القضبان.





