كان فلاحٌ بسيط يعيش من تعب يدّيه، يمتلك ثورين: أحدهما أبيض قوي، والآخر أسود أنهكه المرض. كان يعتمد عليهما في حراثة أرضه ودرس محصوله على البيدر.
حين انتهى موسم الحصاد، ربط الثورين بلوح الدراس، وبدأت عجلة الدراس تدور، فكان الثور الأبيض يسحب اللوح بثبات، بينما كان الأسود يتعثر كأنما يحمل جبلاً على ظهره. وطلب من أبنائه مراقبة الثور المريض، وأوصاهم بذبحه فوراً أن عجز عن العمل.
لكن القدر خبّأ ما لم يكن في الحسبان؛ إذ تزحلق الثور السليم على حجرٍ أملس، وسقط أرضاً كأنما انكسر، فظنّ الأبناء أنه المريض وبادروا بذبحه. وفي اليوم التالي، نفق الثور المريض، فخسر الفلاح دابتيه معاً، وتوقّف عمله.
لم يجد بداً من استدانة بعض النقود ليشتري ثوراً يكمل به درس محصوله. وبعد أن جمع ثمن الثور والذي كان يقدر في حينه بخمسة دنانير، قرر التوجه سيراً على الأقدام إلى سوق الأغنام والمواشي في مدينة الرملة. وفي طريقه، تذكر خالته العجوز، دخل بيتها المتواضع، فقبلت جبينه واستقبلته بحنان، وقبّل يدّها، فأعطته دجاجة بلدية، قائلة له: “بعها واشترِ لأولادك ما يسُدّ جوعهم”.
توقف الرجل عند بئر ماء، وربط النقود داخل منديل وربطها في أرجل الدجاجة، وعلق ثيابه على غصن شجرة خروب، ونزل إلى البئر ليبلل شفتيه الجافتين، ويستحم من شدة حرارة الشمس.
صادف الرجل طير يحوم من فوق رأسه، وفجأة نزل إلى الأرض لإصطياد الدجاجة. وبالفعل حملها بين مخلبيه، ومعها النقود، وطار بها بعيداً عن نظر الرجل.
خرج عارياً من البئر يصرخ، يلوح بذراعيه كطائرٍ أرضي مُحطم الجناحين، وحاول مُطاردة الصقر لأخذ النقود التي هي ثمن الثور الذي سيقوم بشرائه، واستمر في مُطاردة الصقر، لكن الصقر صعد إلى الأعلى وكأنه يضحك.
عاد إلى البئر كي يرتدي ثوبه، فوجد الثوب مسروقاً من قبل أشخاص مروا من المكان،احتار أمر الرجل، وتوجه إلى شجرة الخروب البعيدة عن البئر، كي يتوارى عن أعين الناس، وينتظر الظلام كي يعود إلى بيته كما ولدته أمه.
وصل منزله منهك القوى، أضاءت زوجته فانوس الكاز، وقصّ عليها ما جرى، وطلب منها تجهيز نفسها والأولاد، كي يذهبون إلى بلدة أخرى، بعد أن ضاق بيهم الحال، وبالفعل جهزوا أنفسهم، وأخذوا ما يلزمهم، وساروا في الطريق متوجهين إلى بيت صديق له، يقع بعيداً عن مكان سكناه.
ساروا حتى منتصف الليل، حتى وقفوا أمام بيت من الطين، نافذته مضيئة، وطرق الرجل باب المنزل، فسأل زميلهُ من الطارق؟ فأعلمه باسمه، فتعرف الصديق على صوته، وفتح له الباب، ورحب به أحسن ترحاب، وقص عليه قصته من أولها حتى آخرها.
وهنا، سارع صديقه إلى احضار عشرة دنانير ثمن العجول التي سيقوم بشرائها، قائلاً له: “خذها، وأكمل درس حصادك”. فشكره على فعلته، ونام مرتاحاً حتى طلوع الفجر، وبعد تناولهم طعام الفطور من خبز الطابون البلدي والعسل والبيض والحليب والجبنة،توجهوا إلى سوق الغنم والمواشي فرحين يدعون للرجل الذي استضافهم بأن يمّد الله في عمره، وأن يكون عمله في ميزان حسناته، واشترى الرجل ما يلزمه، وعاد ليكمل درس محصوله.
وفي العام التالي، جاء المحصول وفيراً، قام ببيع جزءاً منه لسداد ديونه، ورصد مبلغ عشرة دنانير كي يعيدها إلى صديقه الوفي.
وصل بيت صديقه، ورحب به كالعادة، وناوله الدين المستحق عليه، وهنا أصر صديقه بعدم أخذها بتاتاً، قائلاً له: “أنا أعطيتك إياها لوجه الله تعالى قرضاً حسناً”، شكر صديقه على حسن كرمه وموقفه الذي لم ينساه، وعاد فرحاً إلى بيته، وأخبر زوجته بالأمر، وبأن بعض الديون لا تسد بالنقود بل تبقى عالقة في القلب كالندى الجميل، ثقيلة وحلوة. وكيف سيرد إلى صديقة المعروف في قادم الأيام.
في طريق العودة، توقف عند البئر نفسه، نظر إلى الأعلى، فرأى صقراً يحلق في الأعالي، حراً كريماً، ابتسم وكأنه رأى شيئاً من روح صديقه في ذلك الارتفاع الشاهق.





