تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من الاضطراب غير المسبوق، على وقع التصعيد العسكري في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار النفط ومشتقاته في الأسواق الدولية.
التطورات أعادت من جديد شبح ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب، وسط مخاوف وتحذيرات متزايدة من انعكاسات ذلك على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى كلفة النقل والإنتاج، في سياق اقتصادي لا يزال هشاً بالنسبة لجلّ الأسر المغربية.
ففي الوقت الذي يصطدم فيه المواطن المغربي بقفزة كبيرة في أسعار الوقود، يؤكّد متخصّصون في مجال الطاقة بأنّ المؤشّرات الدولية الحالية تنذر بارتفاع جديد في أسعار المحروقات، خلال الأيام أو الأسابيع القليلة المقبلة، إذا استمرت التوترات الجيوسياسية الناتجة عن الحرب على إيران وواصلت أسعار النفط صعودها في الأسواق العالمية.
ومن شأن ارتفاع أسعار الطاقة في السوق الدولية أن تنعكس مباشرة على أثمانها داخل السوق المغربية، نظراً لاعتماد المملكة بشكل شبه كامل على الاستيراد لتلبية حاجياتها من المحروقات.
ويوضّح خبراء الاقتصاد بأنّ ارتفاع أسعار الوقود الذي تمّ الإعلان عنه، الإثنين، في المغرب سوف لن يكون نهائيا، بل على العكس تماما، حيث تبيّن كل المؤشّرات إلى أنّ أسعار المحروقات ومشتقاتها سوف ترتفع إلى مستويات قياسية خلال الأيام القليلة القادمة، إذا لم تتوقف الحرب التي تحرق الشرق الأوسط ولم تفتح المضائق وطرق الإمدادات.
وارتفاع سعر الوقود يمثل خطرا كبيرا بالنسبة للمملكة، لأنّ انعكاساته ستمتد لتمسّ بالسوء كلّ القطاعات الاقتصادية التي تعاني أصلا من الضعف والهشاشة.
فالمحروقات تعتبر عصب الاقتصاد، إذ ترتبط بها تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، وهو ما يعني أنّ ارتفاعها يؤدّي بشكل شبه تلقائي إلى موجة غلاء تطال العديد من المواد الاستهلاكية والخدمات، ويكون المستهلك أوّل وأكبر المتضرّرين منها.
يؤكّد متخصّصون في الاقتصاد أنّّ التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة أظهرت بوضوح أن ارتفاع أسعار الوقود كان أحد أهم المحركات الرئيسية للتضخّم، خصوصاً خلال سنة 2022 عندما ارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد بسبب الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أسعار المواد الغذائية والخدمات داخل السوق.
الحكومة عاجزة عن المواجهة
في ظل هذه التطورات، يطرح عدد من المتخصّصين سؤالاً أساسياً يتعلق بدور الحكومة في ضبط السوق الداخلية للمحروقات، و يتصوّرون بأنّ الحكومة المخزنية ستجد صعوبة كبيرة في التعامل مع العبء، الذي يشكله ارتفاع أسعار الطاقة خاصة، وأنها تفتقر لأدوات تمكّنها من تخفيف الضغط على المستهلكين، وعلى رأس هذه الأدوات آليات دعم موجّهة للفئات الأكثر تضرّراً من ارتفاع تكاليف الوقود، الأمر الذي يهدّد التوازنات الاجتماعية ويزيد من الضغوط على القدرة الشرائية للأسر ويرفع حالة التذمر الشعبي القائمة.
الأمن الطاقوي غائب
إلى جانب مسألة الأسعار، تعيد التطورات الحالية أيضاً النقاش حول موضوع الأمن الطاقوي للمغرب، خاصة في ظل استمرار اعتماد البلاد على الاستيراد لتلبية معظم احتياجاتها من المشتقات النفطية.
ويعتبر عدد من المتخصّصين أنّ هذه الوضعية تجعل السوق المغربية شديدة التأثر بالتقلبات الدولية، سواء تعلق الأمر بالأزمات الجيوسياسية أو بتغيرات العرض والطلب في الأسواق العالمية.
كما أنّ غياب قدرات تكرير محلية كبيرة يزيد من هشاشة السوق الداخلية أمام الصدمات الخارجية، وهو ما يطرح مجدّداً تساؤلات حول الخيارات الاستراتيجية للمغرب في مجال الطاقة خلال السنوات المقبلة.
القدرة الشرائية تئن
في النهاية، يبقى المواطن المغربي الحلقة الأضعف في معادلة أسعار المحروقات، لأنه يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع تقلبات السوق الدولية دون أن يكون له أي تأثير عليها.
ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، تبدو الأيام القادمة قاتمة بالنسبة الشعب المغربي والنظام المخزني تحديدا، الذي يظهر أمام كل أزمة أنه عاجز عن تسيير شؤون شعبه وحمايته من تقلّبات الأسواق العالمية وحتى من الظروف المناخية .

