أحد أكبر مشاريع الاندماج القارّي في التاريخ
منفذ اقتصادي وتجاري أكثر تنظيما نحو الأسواق الدولية خاصة الأوروبية
بخطوات عملية ومباشرة، يتجه مشروع أنبوب الغاز العابر للصّحراء نحو التجسيد الفعلي، حيث أعلنت شركة سوناطراك عن إيفاد فريق عمل متخصّص إلى العاصمة النيجرية نيامي، للتحضير لإطلاق الأشغال الميدانية لمد الأنابيب، وتأتي هذه الخطوة تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، لتمثل البداية الحقيقية لإنجاز هذا الخط الذي سينقل الغاز من حقول نيجيريا عبر أراضي النيجر، ثمّ الجزائر وصولا إلى الأسواق الأوروبية.
تمّ تحديد موعد الانطلاق العملياتي مباشرة بعد شهر رمضان، ما يضع هذا المشروع الاستراتيجي أمام مسار واضح لتجاوز مرحلة التخطيط والبدء في ربط الدول الثلاث بشريان طاقوي بالغ الأهمية.
أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في بعدها التقني والعملي، بل في دلالتها السياسية أيضا، لأنها تعني أنّ المشروع انتقل من مستوى إعلان النوايا والتأكيدات الدبلوماسية إلى مستوى التحضير الميداني المباشر، وهو تحول لم يكن سهلا في ظرف إقليمي اتّسم خلال السنوات الأخيرة باضطراب أمني وتوترات سياسية وتبدل في التحالفات داخل منطقة الساحل الإفريقي، وفي هذا السياق، يبدو أنّ الجزائر قد نجحت في تفكيك العراقيل التي أحاطت بالمسار النيجري، مستفيدة من خبرتها في إدارة الملفات المعقدة إقليميا، ومن عودة التنسيق المباشر مع نيامي، وهو ما ظهر بوضوح منذ إعلان رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في 16 فيفري الماضي على أنّ إطلاق المشروع عبر الأراضي النيجرية سيكون مباشرة بعد شهر رمضان.
الحجة التي تمنح هذه البداية معناها الحقيقي وقوّتها، هي أنّ الجزء النيجري يتجاوز كونه مجرّد مقطع في هذا الخط الطويل، بل هو عقدة الربط التي يتوقف عليها الانتقال من التصور النظري إلى الإنجاز الفعلي. فالأنبوب يمتد على نحو 4 آلاف كيلومتر، بطاقة قد تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويا ومداخيل قد تتجاوز 11 مليار دولار سنويا، ما يجعله واحدا من أكبر مشاريع الطاقة العابرة للحدود في القارّة. غير أنّ هذا الامتداد لا يطرح الصعوبة نفسها في كل المقاطع، لأنّ الجزائر تتوفر أصلا على بنية تحتية جاهزة وخبرة كبيرة في النقل عبر الأنابيب، كما أنّ المشروع ينتهي في حاسي الرمل، أحد أهم المراكز الغازية التي ترتبط بدورها بشبكات تصدير قائمة نحو أوروبا، لذلك ظل الرهان الحقيقي مركّزا على تثبيت المسار النيجري وتأمين شروط انطلاقه.
كذلك تبرز هذه الخطوة العملية التي أعلنت عنها الجزائر، أنها نتيجة لتراكم مراحل سابقة هيّأت الأرضية الحالية، ففي فيفري 2025، احتضنت الجزائر الاجتماع الرابع للجنة التوجيهية للمشروع، وتم خلاله اعتماد أعمال الفريق التقني المشترك بين سوناطراك وNNPC النيجيرية وسونيداب النيجرية، كما جرى توقيع عقد تحيين دراسة الجدوى مع مكتب Penspen، إلى جانب اتفاق لتقاسم نفقات الدراسة واتفاق عدم إفشاء بين الشركات الثلاث، ومعنى هذا أنّ المشروع لم يبدأ من الصفر هذا الشهر، بل إنّ ما أعلنته سوناطراك اليوم يمثل استكمالا لمسار مؤسّساتي وتقني ومالي سبق بناؤه على مراحل، إلى أن وصل الآن إلى مستوى المعاينة الميدانية لمسار الأنبوب داخل النيجر.
كذلك، فإنّ القراءة الاقتصادية للمشهد تبين أنّ الجزائر تتحرّك من موقع تقدير قيمة السياق الزمني والتوقيت، فأوروبا تبحث منذ سنوات عن تنويع مصادر الغاز، والمشروع، إذا تقدّم وفق الرزنامة المخطّط لها، يمنح الدول الثلاث منفذا أكثر تنظيما نحو الأسواق الدولية خاصة الأوروبية منها، ويمنح الجزائر بصورة خاصة أفضلية بحكم امتلاكها منشآت النقل والتجميع والتصدير القائمة أصلا. علاوة على ذلك، فإنّ الربط بين الغاز النيجيري والبنية التحتية الجزائرية يجعل من الجزائر مركزا إقليميا للطاقة، وهو ما يفسّر تمسّكها بالمشروع حتى في المراحل التي بدت فيها بيئة الساحل أقل استقرارا. وقد سبق لوكالة رويترز أن أشارت منذ 2022 إلى أنّ المشروع يمثل فرصة لأوروبا لتنويع إمداداتها، بينما أكّدت سوناطراك في 2025 أنّ الأنبوب سيوجّه ما يقارب 30 مليار متر مكعب نحو الأسواق الدولية.
كما أنّ المشروع والانطلاق الفعلي فيه سوف يمثل أحد أكبر مشاريع الاندماج القاري في تاريخ إفريقيا، كما سيفتح أبواب تعاون كبرى مع نيجيريا، أحد أكبر الأسواق الاستهلاكية في القارّة وصاحبة عدد السكان الأكبر، ما يفتح للشركات الجزائرية فرصة ذهبية لولوج هذه الأسواق وتصدير منتجاتها، خاصة وأنّ الدول الإفريقية تشجّع على التجارة البينية وتقديم تحفيزات جمركية خاصة للشركات الإفريقية.




