تتجدد مع حلول عيد الفطر المبارك بمدينة سكيكدة، مظاهر الفرح والبهجة التي تعكس عمق التقاليد الاجتماعية الراسخة لدى سكان الولاية، حيث يمثل هذا العيد مناسبة دينية واجتماعية مميزة تأتي بعد شهر كامل من الصيام والتعبد، فيتحول إلى محطة سنوية لإحياء قيم التضامن وصلة الرحم، وتعزيز الروابط العائلية بين مختلف أفراد المجتمع.
يستقبل السكيكديون عيد الفطر بطقوس اجتماعية متوارثة تجمع بين الأبعاد الروحية والعادات الاجتماعية الأصيلة، إذ يحرص المواطنون على جعل هذه المناسبة فرصة لتجديد العلاقات العائلية وتبادل التهاني، في أجواء يطبعها التآخي والتسامح. وتتشابه الكثير من تقاليد الاحتفال بالعيد في سكيكدة مع ما هو معمول به في عدد من ولايات الشرق الجزائري، غير أن المدينة الساحلية تضفي على هذه المناسبة لمستها الخاصة التي تجمع بين عبق التراث وروح العصر.
وقبيل حلول العيد، تشهد الأسواق ومحلات بيع مستلزمات الحلويات التقليدية حركية تجارية لافتة، حيث تقصد العائلات السكيكدية هذه الفضاءات بكثافة لاقتناء مختلف المواد الضرورية لتحضير حلويات العيد التي تعد ركنا أساسيا من تقاليد الاحتفال، وتحرص العديد من الأسر على إعداد هذه الحلويات داخل المنازل، حفاظاً على الطابع التقليدي الذي يميزها، فيما تفضل عائلات أخرى اقتناءها من عند صناع الحلويات سواء من المحلات التجارية أو من الحرفيات اللواتي ينشطن في إعدادها منزلياً.
ولا تكاد تخلو موائد العائلات بسكيكدة خلال أيام العيد من أصناف متعددة من الحلويات التقليدية، التي تعكس ثراء الموروث الغذائي المحلي، يتقدمها “المقروط” الذي يعد من أشهر الحلويات الجزائرية وأكثرها حضوراً في المناسبات، إلى جانب “الغريبية” و«كعك النقاش” و«القريوش”، فضلاً عن أنواع أخرى تجمع بين النكهة التقليدية واللمسة العصرية، وتتحول هذه الحلويات إلى رمز من رموز المشاركة الاجتماعية، إذ جرت العادة أن تتبادل العائلات أطباقها مع الجيران والأقارب في تقليد يعكس روح المودة والتقارب.
كما يمثل اقتناء ملابس العيد تقليدا سنويا تحرص عليه العائلات السكيكدية، على غرار باقي ولايات الوطن، حيث تسعى الأسر إلى إدخال الفرحة على قلوب الأطفال من خلال اقتناء ملابس جديدة يرتدونها صباح العيد. ويضفي الأطفال بأزيائهم الجديدة أجواء من البهجة والحيوية على شوارع الأحياء، إذ يتباهون بملابسهم ويتنقلون بين الأقارب والجيران في مشاهد تعكس روح الفرح الجماعي التي تميز أول أيام العيد، ورغم أن العديد من العائلات أصبحت في السنوات الأخيرة تقتني هذه الملابس قبل دخول شهر رمضان تفادياً لازدحام الأسواق، إلا أن رمزية هذا التقليد لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية للسكان.
ومع بزوغ فجر يوم العيد، يتوجه الرجال والشباب إلى المساجد والساحات لأداء صلاة العيد التي تشكل لحظة روحانية جامعة يستحضر فيها المصلون معاني التسامح والتراحم. وبعد العودة إلى المنازل، يجتمع أفراد الأسرة حول مائدة القهوة الصباحية المرفقة بحلويات العيد، حيث تبدأ أولى مظاهر “التغافر” بين أفراد العائلة، في تقليد اجتماعي يكرس قيم الصفح والمودة مع بداية يوم العيد.
ومن أبرز العادات التي تحرص عليها العائلات السكيكدية في هذا اليوم، التوجه في الزيارات الأولى إلى بيت العائلة أو بيت الوالدين، حيث يجتمع الأبناء والأحفاد حول كبار العائلة في أجواء يطبعها الدفء الأسري. ويعتبر هذا اللقاء العائلي مناسبة لتبادل التهاني وتناول الحلويات، قبل أن ينطلق أفراد العائلة لاحقاً لزيارة بقية الأقارب والجيران، في إطار تعزيز صلة الرحم التي يشكل العيد أحد أهم مظاهرها.
كما تشهد مقابر المدينة منذ الساعات الأولى من يوم العيد إقبالاً كبيرا للعائلات التي تتوجه لزيارة قبور ذويها، حيث يتم قراءة الفاتحة والترحم على الموتى، في مشهد يعكس ارتباط المجتمع بقيم الوفاء والذاكرة الجماعية. وغالباً ما تترافق هذه الزيارات مع توزيع الحلويات أو الصدقات على المحتاجين، في بادرة إنسانية تعكس البعد التضامني للمناسبة.
ولا تقتصر مظاهر التضامن خلال العيد على إطار العائلة فحسب، بل تمتد لتشمل مختلف الفئات الاجتماعية، إذ تشهد المستشفيات ومراكز الرعاية الاجتماعية توافد عدد معتبر من الزوار، الذين يفضلون تقاسم فرحة العيد مع المرضى ونزلاء هذه المؤسسات، ومن بين هذه المرافق دار العجزة والمسنين الكائنة بحي عيسى بوكرمة، التي تستقبل خلال هذه المناسبة العديد من العائلات والجمعيات التي تحرص على إدخال البهجة على قلوب المقيمين بها ومشاطرتهم أجواء العيد.
وبعد انتهاء الزيارات العائلية، يتوجه الأطفال والشباب إلى الفضاءات الترفيهية لقضاء أوقات ممتعة، حيث تعد الواجهة البحرية وميناء الترفيه بسطورة من أبرز الوجهات التي تستقطب العائلات خلال أيام العيد، بالنظر لما توفره من فضاءات مفتوحة تسمح للأطفال باللعب والاستمتاع بأجواء العطلة.
وفي ظل هذه الأجواء المفعمة بالمودة والتضامن، يبقى عيد الفطر في سكيكدة أكثر من مجرد مناسبة دينية، إذ يمثل محطة اجتماعية تعيد الاعتبار لقيم التضامن وصلة الرحم، وتؤكد المكانة التي تحتلها العائلة في النسيج الاجتماعي المحلي، في مشهد يعكس صورة مجتمع متماسك يحافظ على تقاليده ويجددها مع مرور الزمن.





