تتواصل المساعي في ليبيا لدفع مسار الحوار الوطني وكسر حالة الجمود التي تهيمن على المشهد السياسي منذ سنوات، في ظل انقسام مؤسّسات الدولة وتعثر التوافق على القاعدة الدستورية والقوانين المنظمة للانتخابات.
تكثفت اللقاءات والمبادرات خلال الأيام الأخيرة بين أطراف سياسية وبرلمانية مختلفة، في محاولة لإعادة إطلاق مسار سياسي جامع يفضي إلى توحيد المؤسّسات والذهاب للانتخابات. ويأتي ذلك بالتوازي مع استمرار عمل مسارات «الحوار المُهيكل» الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والذي يهدف إلى بلورة توصيات عملية لمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية تمهيدًا لإجراء الانتخابات العامة.
حـوار جـاد
بحث رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، وعضو المجلس موسى الكوني، في العاصمة طرابلس، مع عدد من أعضاء مجلسي النواب والأعلى للدولة مقترحات وأفكارًا تهدف إلى الدفع نحو إطلاق حوار وطني جاد بين المؤسّسات السياسية المختلفة. ووفق بيان صادر عن المكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي، تناول اللقاء مستجدات الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد، في ظل استمرار حالة الانسداد السياسي وما يرافقها من تحديات أمام مؤسّسات الدولة، حيث ناقش المشاركون سبل تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية وتهيئة الظروف لإطلاق تسوية سياسية شاملة تقود إلى الانتخابات.
كما تطرّق الاجتماع إلى العراقيل التي تعيق التقدّم في المسار السياسي، وفي مقدمتها تعثر التوافق على القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية، إضافة إلى استمرار الانقسام المؤسّسي بين الشرق والغرب، وما يترتّب عليه من تداعيات سياسية واقتصادية.
تغليب المصلحة الوطنية
بحسب البيان، فقد أكّد المشاركون أهمية تغليب المصلحة الوطنية والعمل المشترك بين مختلف المؤسّسات لتجاوز المرحلة الراهنة، مشدّدين على ضرورة دعم أي مبادرات أو جهود سياسية يمكن أن تُسهم في تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتأتي هذه التحرّكات في وقت تتزايد فيه الدعوات السياسية لإطلاق حوار وطني شامل ينهي حالة الانقسام ويعيد توحيد المؤسّسات السيادية، ويحقّق الهدف النهائي المتمثل في الوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة تلبي تطلّعات ملايين الناخبين الليبيين.
وكان رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، قد دعا إلى استئناف الحوار الثلاثي بين المجلس الرئاسي ومجلسي النواب والأعلى للدولة داخل ليبيا، مقترحاً عقد هذا الحوار في إحدى المدن الليبية. وأوضح المنفي أنّ عقد الحوار داخل ليبيا وبحضور مراقبين من منظمات إقليمية ودولية يمكن أن يمهّد لمسار سياسي جامع يقود إلى توحيد المؤسّسات وإجراء الانتخابات العامة.
«الحوار المُهيكل» متواصل
يتزامن ذلك مع استمرار عمل «الحوار المُهيكل» الذي أطلقته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ضمن خريطة الطريق السياسية التي أعلنتها المبعوثة الأممية هانا تيتيه. ووفق ما أعلنته البعثة، فإنّ أعضاء الحوار يواصلون اجتماعاتهم عبر فرق عمل واجتماعات افتراضية بهدف إعداد توصياتهم النهائية التي ستعرض في ختام الحوار المقرر في جوان المقبل.
وتعمل مسارات الحوار المختلفة على مناقشة قضايا رئيسية تشمل إدارة الموارد الاقتصادية وتحسين الانضباط المالي وتعزيز سيادة القانون واستقلال القضاء، إضافة إلى القضايا المرتبطة بالحوكمة والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان. ويهدف هذا المسار إلى صياغة مقترحات سياسية وتشريعية تعالج الأسباب الجذرية للأزمة الليبية وتساهم في خلق بيئة مواتية لإجراء الانتخابات وبناء توافق وطني حول مستقبل الدولة.
ويرى مراقبون أنّ تزامن الدعوات السياسية للحوار الوطني مع استمرار العمل في مسارات الحوار الأممي يعكس إدراكاً متزايداً لدى مختلف الأطراف، بأنّ استمرار حالة الجمود السياسي لم يعد خياراً ممكناً في ظل التحديات الاقتصادية والخدمية التي تواجه البلاد. ويشير هؤلاء إلى أنّ نجاح أي مبادرة سياسية سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف الليبية على تجاوز الانقسامات الحالية، والتوصّل إلى توافقات عملية حول القاعدة الدستورية وآليات تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة.
وبينما تتواصل المبادرات واللقاءات السياسية في محاولة لإعادة تحريك المسار السياسي، يبقى التحدي الأكبر أمام القوى الليبية هو ترجمة هذه الدعوات إلى خطوات عملية تقود إلى إنهاء الانقسام المؤسّساتي وتهيئة الأرضية لإجراء الانتخابات، التي ينتظرها الليبيون منذ سنوات، باعتبارها الطريق الأقصر نحو استعادة الاستقرار وبناء مؤسّسات دولة موحّدة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية.

