أعلن الوزير الأول، سيفي غريب، بحر الأسبوع الماضي، بداية الاستغلال الفعلي لمنجم الزنك والرصاص بواد أميزور ببجاية، معلنا انطلاق مرحلة جديدة من توجه حرص رئيس الجمهورية أن يكون حصانة ودرعا للاقتصاد الوطني، قائما على التحرر التدريجي من التبعية النفطية. فدخول الثلاثية المنجمية غار جبيلات، واد أميزور وواد الحدبة حيز الاستغلال الفعلي، سيحدث طفرة اقتصادية من شأنها تغيير موقع الجزائر بالخارطة الاقتصادية العالمية بالخصوص المنجمية.
ثمّن النّائب البرلماني والخبير الاقتصادي، عبد القادر بريش، في اتصال مع «الشعب»، إطلاق استغلال منجم الزنك والرصاص بواد أميزور ببجاية، رسميا، من طرف الوزير الأول سيفي غريب، تنفيذا لتعليمات رئيس الجمهورية، واعتبر بريش هذا الحدث التاريخي تجسيدا فعليا لخيار بناء اقتصاد وطني متنوّع وسيادي.
وبخصوص أثرها على الاقتصاد الوطني وقيمتها المضافة، أجاب بريش أنّ إطلاق مشاريع استغلال الموارد المنجمية في الجزائر، وعلى رأسها مشروع استغلال منجم الزنك والرصاص بواد أميزور بولاية بجاية، خطوة نوعية في مسار بناء اقتصاد وطني متنوع ومستدام، يقوم على تثمين القدرات الوطنية واستغلال الثروات الطبيعية وفق رؤية استراتيجية جديدة تهدف إلى التحرر التدريجي من التبعية للمحروقات، وترسيخ أسس اقتصاد منتج قائم على القيمة المضافة، مؤكّدا أنّ الشروع في استغلال هذا المنجم الاستراتيجي قبل نهاية شهر مارس، وفاء بالالتزام الذي قطعه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، يعكس وضوح الرؤية الاقتصادية للدولة ومصداقية التزاماتها، كما يؤكّد أنّ الجزائر دخلت مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد التقليدية إلى اقتصاد يستند إلى تنويع مصادر الثروة، وتثمين الإمكانات الوطنية في مختلف القطاعات الاستراتيجية.
حضور قوي بسوق المعادن الاستراتيجية
وأضاف بريش أنّ مشروع منجم واد أميزور أحد أهم المشاريع الهيكلية التي تعوّل عليها الجزائر لإعطاء نفس جديد للاقتصاد الوطني، خاصة وأنه يصنف ضمن أكبر مكامن الزنك والرصاص، باحتياطات تقدر بحوالي 34 مليون طن من الخام القابل للاستغلال، وبطاقة إنتاج سنوية تصل إلى حوالي 170 ألف طن من الزنك و30 ألف طن من الرصاص، ما يؤهّل الجزائر لتعزيز حضورها في سوق المعادن الاستراتيجية، ورفع قدراتها التصديرية خارج قطاع المحروقات.
كما أنّ مدة استغلال المنجم التي تمتد إلى حوالي عشرين سنة تمنح لهذا المشروع – حسب ذات المتحدث – بعدا استراتيجيا طويل المدى، سواء من حيث ضمان استمرارية الإنتاج، أو من حيث دوره في خلق ديناميكية اقتصادية وصناعية محلية، لاسيما من خلال ما سيوفره من مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة، وما سيتيحه من فرص لتطوير المناولة الصناعية وتشجيع الاستثمار المنتج، حيث يندرج ذات المشروع ضمن رؤية شاملة لتطوير قطاع المناجم في الجزائر، والتي تشمل أيضا الانطلاق المرتقب خلال الفترة القادمة في تجسيد مشروع استغلال منجم الفوسفات ببلاد الهدبة بولاية تبسة، باعتباره أحد أكبر المشاريع المندمجة في مجال الصناعات التحويلية، إضافة إلى تدشين خط السكة الحديدية المنجمي وربطه بالرصيف المعدني بميناء عنابة، بما يعكس توجها استراتيجيا قائما على بناء منظومات منجمية متكاملة تجمع بين الاستخراج والتحويل والنقل والتصدير.
قيمة استراتيجية وتوجّه نحو التّنوّع
في هذا الإطار، أكّد النائب البرلماني أن القيمة الاستراتيجية لهذا المشروع لا تقاس فقط بمؤشرات الإنتاج، بل بقدرته على التحول إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية، من خلال تنشيط النسيج الصناعي، وتشجيع المؤسسات الوطنية، وتعزيز نقل التكنولوجيا، وتطوير الكفاءات الجزائرية في المهن المنجمية، بما يسمح ببناء قاعدة صناعية صلبة تدعم الأمن الاقتصادي الوطني، وبالتالي – أردف بريش – فإن تسريع وتيرة تجسيد هذه المشاريع الكبرى يبعث برسالة قوية مفادها أن الجزائر ماضية بثبات نحو بناء اقتصاد قوي ومتنوع، اقتصاد يخلق الثروة ويعزز الاستقلال الاقتصادي، ويؤسّس لمرحلة جديدة يكون فيها القطاع المنجمي أحد أعمدة السيادة الاقتصادية ومحركات النمو خارج قطاع المحروقات. كما أنّ استغلال منجم وادي أميزور، إلى جانب المشاريع المنجمية الكبرى الأخرى، ليس مجرد استثمار اقتصادي، بل هو خيار استراتيجي يعكس إرادة بناء اقتصاد وطني قوي، قائم على تثمين الموارد الطبيعية وتحويلها إلى عناصر قوة جيو-اقتصادية، تعزّز مكانة الجزائر كقوة إقليمية صاعدة وفاعل اقتصادي مؤثر في محيطها الإفريقي والمتوسطي.



