شقنان: الزنك حارس الأنابيب النّفطية ومحرّك الطّاقة الشّمسية
قاشي: واد أميزور شاهــد على نجاح الجزائر في تنويـع اقتصادها
أكّد خبراء في مجال الطّاقة والاقتصاد أنّ مشروع منجم الزنك والرصاص بواد أميزور بولاية بجاية يعد خطوة استراتيجية مهمة نحو تعزيز مسار التحول الاقتصادي والطاقوي في الجزائر، حيث سيساهم في الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التجسيد الفعلي، من خلال تثمين الموارد المنجمية وتطوير الصناعات المرتبطة بها، بما يدعم تنويع الاقتصاد الوطني ويقلص الاعتماد على المحروقات.
ومع دخول المشاريع المنجمية الكبرى في الجزائر مرحلة التنفيذ سيسمح بإعطاء دفعة جديدة وتاريخية لمسار الانتقال الطاقوي، والانتقال به من مرحلة التخطيط إلى التجسيد الفعلي، بما يضمن مستقبلا طاقويا مستداما للبلاد.
في هذا الصّدد، أكّد الخبير الدولي في الطاقات المتجددة والانتقال الطاقوي علي شقنان لـ «الشعب»، أنّ هذه المرحلة تعد حاسمة في المسار الطاقوي للجزائر، باعتبار أنّ قطاع المناجم يشكل ركيزة أساسية في هذا التحول، باعتباره مستهلكا كبيرا للطاقة، وفي الوقت نفسه موردا رئيسيا للمواد الخام الضرورية للتكنولوجيات النظيفة، في ظل الطلب المتزايد عالميا على هذه الموارد، وأضاف أن الجزائر تزخر بثروات باطنية هائلة ومتنوعة، ما يؤهّلها بقوة للدخول في استثمارات كبرى في المجال المنجمي، خاصة مع توجه السلطات العليا إلى إطلاق عدة مشاريع عبر مختلف الولايات، بهدف تنويع الاقتصاد الوطني وتقليص الاعتماد على المحروقات.
وفي هذا السياق، أشار المتحدّث إلى مشروع منجم الزنك والرصاص بواد أميزور بولاية بجاية، مؤكّدا أنه يمثل منعطفا مهما في مسار تطوير قطاع المناجم في الجزائر، لما يحمله من انعكاسات إيجابية مرتقبة على الاقتصاد الوطني.
وصرّح شقنان أنّ الجزائر تعمل على تسريع وتيرة إنجاز هذا المشروع الاستراتيجي، المرتقب استلامه في آفاق 2026، مبرزا أنه يندرج ضمن رؤية وطنية شاملة تربط بين استغلال الموارد المعدنية وتطوير الطاقات المتجددة، كما أكّد أنّ المشروع سيدعم التنمية الاقتصادية ويعزّز مكانة الجزائر في الطاقات النظيفة.
وتابع أنّ هذا المشروع يسير بالتوازي مع البرامج الكبرى التي أطلقتها الجزائر في مجال الطاقات المتجددة، لاسيما مشروع إنتاج 15 ألف ميغاواط من الطاقة الشمسية في أفق 2035، والذي يهدف إلى رفع مساهمة الطاقات النظيفة في إنتاج الكهرباء إلى نحو 27 بالمائة.
وأكّد أنّ قطاع المناجم، وعلى رأسه مشروع واد أميزور، سيلعب دورا تكميليا في إنجاح مشاريع الطاقات المتجددة، من خلال توفير المواد الأساسية اللازمة لها، ما يعزّز من جدوى هذه المشاريع ويضمن استدامتها.
كما أوضح أنّ أهمية المشروع لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية وتنموية، من خلال خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، إلى جانب دعم النشاط الصناعي، كما سيساهم في تحسين الوضع المعيشي وتعزيز التنمية في المناطق المعنية.
وأضاف الخبير أنّ معدن الزنك يعد عنصرا مهما في حماية الأنابيب النفطية والبنية التحتية، خاصة البحرية، من التآكل، ما يعزّز من أهميته الاستراتيجية، كما يستخدم الزنك أيضا في إطالة عمر المنشآت الصناعية وتقليل تكاليف الصيانة، ممّا يجعله مادة أساسية في العديد من القطاعات الحيوية.
وأكّد البروفيسور شقنان على أنّ منجم الزنك والرصاص بواد أميزور من شأنه أن يساهم في إدراج الجزائر ضمن أبرز الدول المنتجة لهذين المعدنين عالميا، فضلا عن تعزيز جاذبية القطاع المنجمي للاستثمارات الأجنبية، مشدّدا على أن الموارد المعدنية تبقى ركيزة أساسية لإنجاح مسار الانتقال الطاقوي في الجزائر.
الزنك رافعة اقتصادية
من جانبه الخبير الاقتصادي عبد النور قاشي، قال في تصريح لـ «الشعب»، إنّ تدشين مشروع استغلال منجم الزنك والرصاص بمنطقتي تالة حمزة ووادي أميزور بولاية بجاية لحظة مفصلية في مسار التحول الاقتصادي الذي تنشده الجزائر، باعتباره نموذجا عمليا للانتقال من اقتصاد ريعي قائم على المحروقات إلى اقتصاد إنتاجي متنوع يرتكز على تثمين الموارد الطبيعية غير المستغلة.
وتابع قاشي: «المشروع لا يمثّل مجرد استثمار منجمي تقليدي، بل يعكس توجها استراتيجيا لإعادة بعث قطاع المناجم كأحد أعمدة الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل التحولات العالمية المتسارعة نحو الطاقات النظيفة والصناعات المرتبطة بها».
من الناحية الاقتصادية، يكتسي المشروع – بحسبه – أهمية بالغة في تقليص التبعية للخارج، حيث أن الجزائر ظلت لسنوات تعتمد على استيراد المعادن غير الحديدية لتلبية حاجياتها الصناعية، وهو ما كان يشكّل ضغطا دائما على ميزان المدفوعات، ومع دخول هذا المشروع حيز الإنتاج بطاقة سنوية تقدر بنحو 170 ألف طن من الزنك و30 ألف طن من الرصاص، فإنّ البلاد ستكون أمام فرصة حقيقية ليس فقط لتحقيق الاكتفاء الذاتي، بل ولولوج أسواق التصدير.
وبالنظر إلى الأسعار العالمية للزنك، التي تتراوح بين 2500 و3000 دولار للطن، يمكن أن يحقق المشروع مداخيل سنوية بمئات ملايين الدولارات، ما يعزز احتياطي العملة الصعبة ويدعم التوازنات المالية الكبرى للدولة،كما يرتقب أن يساهم هذا المستوى من العائدات في تقليص الاعتماد على المحروقات وتنويع مصادر الدخل الوطني
غير أنّ الأثر الأعمق لهذا المشروع – يقول المتحدث – يتجلى في بعده الصناعي، إذ لا يقتصر على استخراج المادة الخام، بل يتعداه إلى إنشاء مصنع لمعالجة وتركيز المعادن، وهو ما يفتح المجال أمام بناء سلسلة قيمة صناعية متكاملة، في هذا السياق، يمكن للجزائر أن تطور صناعات تحويلية مرتبطة بالزنك، مثل الجلفنة التي تعد ضرورية لحماية الحديد في قطاع البناء، أو الصناعات المرتبطة بالبطاريات وتخزين الطاقة، خاصة في ظل تزايد الطلب العالمي على هذه التقنيات، هذا التحول من تصدير المواد الخام إلى إنتاج مواد نصف مصنعة أو مصنعة يندرج ضمن الرؤية الاستراتيجية الرامية إلى خلق قيمة مضافة محلية وتعزيز النسيج الصناعي الوطني.
أمّا اجتماعيا، فإنّ المشروع يحمل في طياته ديناميكية حقيقية، من خلال توفيره لحوالي 786 منصب شغل مباشر، أغلبها موجه لليد العاملة الجزائرية، إضافة إلى أكثر من 4000 منصب غير مباشر في قطاعات مرتبطة بالنقل الخدمات والمناولة،هذه الأرقام تعكس قدرة المشروع على امتصاص جزء من البطالة، خاصة في المناطق الداخلية، كما تساهم في خلق حركية اقتصادية محلية من شأنها دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وتحفيز روح المقاولاتية.
ويكتسي المشروع – يضيف قاشي – بعدا استراتيجيا إضافيا من خلال نمط الشراكة المعتمد، حيث تحتفظ الجزائر بنسبة 51 بالمائة مقابل 49بالمائة للشريك الأجنبي، وهو ما يضمن التوازن بين استقطاب الخبرة والتكنولوجيا من جهة، والحفاظ على السيادة الوطنية على الموارد من جهة أخرى، هذا النموذج، إذا ما تمّ تعميمه وتسييره بفعالية، يمكن أن يشكل مرجعية لجلب استثمارات نوعية في قطاعات أخرى.
وفي سياق التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر، يبرز الزنك – يفيد الخبير – كمعدن استراتيجي يدخل في العديد من الصناعات الحديثة، بما في ذلك تقنيات تخزين الطاقة والبطاريات، وهو ما يمنح الجزائر فرصة ثمينة للاندماج في سلاسل القيمة العالمية المرتبطة بالانتقال الطاقوي، غير أن تحقيق هذا الهدف يظل رهينا بقدرة البلاد على تطوير منظومة صناعية متكاملة، تستند إلى البحث العلمي والتكوين المتخصّص.
وقال الخبير قاشي ختاما، لا يمكن النظر إلى مشروع تالة حمزة ووادي أميزور بمعزل عن الرؤية الشاملة للاقتصاد الوطني، بل يجب اعتباره لبنة أساسية في بناء نموذج اقتصادي جديد قوامه التنويع والإنتاجية والاندماج في الاقتصاد العالمي، وإذا ما أحسن استغلاله وتوسيعه ليشمل صناعات تحويلية مرافقة، فإنه قد يشكّل أحد أبرز قصص النجاح في مسار الجزائر نحو اقتصاد ما بعد البترول.
وعليه، يعد مشروع منجم الزنك والرصاص بواد أميزور خطوة مهمة نحو تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على المحروقات، من خلال استغلال الموارد المنجمية وخلق فرص عمل، كما يمكن أن يشكل دعامة أساسية للانتقال الطاقوي إذا تمّ استغلاله بشكل جيد.


