المنصة الرقمية للاستيراد.. أداة رقابية فعّالة لتتبع مسار السلع
تسيير طلبات المستوردين إلكترونيا يحاصر الفساد والمحسوبية
أنهت وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات إلى علم كافة المتعاملين الاقتصاديين الناشطين في قطاع الاستيراد الموجه لإعادة البيع على الحالة، وتحديدا أصحاب النشاط رقم 4، أنه تم فتح المنصة الرقمية المخصصة لإيداع البرامج التقديرية الخاص بمؤسساتهم.
ودعت مصالح الوزارة جميع المعنيين إلى المبادرة بالتسجيل وإيداع برامجهم عبر المنصة وفق الإجراءات التنظيمية المعمول بها، وذلك ابتداءً من تاريخ نشر البيان وحتى 30 أفريل 2026، وتأتي هذه الخطوة المنظمة في إطار مساعي السلطات لتنظيم التجارة الخارجية وتأطير الواردات الخاصة بالمواد الأولية والسلع والبضائع، لتشكل جزءا من رؤية اقتصادية تهدف إلى ضبط المشهد التجاري الوطني وفق معايير دقيقة تعتمد على البيانات.
وفي سياق متصل، تعكس هذه المبادرة توجها واضحا نحو جعل الرقمنة الشاملة، لاسيما في قطاع التجارة الخارجية، هدفا استراتيجيا لا يقتصر على المفهوم البسيط للتحول التكنولوجي أو مجرد التخلي عن المعاملات الورقية، بل يتعداه إلى رقمنة حقيقية وعميقة تساهم بفعالية في الرفع من مستويات الحوكمة الإدارية والاقتصادية، حيث يساهم الانتقال إلى تسيير طلبات الاستيراد بشكل إلكتروني صرف في التقليل من درجات الفساد والمحسوبية، بالإضافة إلى القضاء تدريجيا على البيروقراطية التي طالما أثقلت كاهل المتعاملين الاقتصاديين وعطلت مصالحهم لسنوات، ومن زاوية سياسية واقتصادية وتنموية، يمثل هذا الإجراء أداة رقابية فعالة لتكريس الشفافية التامة في منح تراخيص الاستيراد وتتبع مسارات السلع بدقة، مما يوفر لصناع القرار بيانات إحصائية دقيقة ومحينة تعزز من كفاءة السياسات العامة الموجهة لضبط الميزان التجاري، وتوجيه الموارد المالية الوطنية نحو الوجهات الأكثر إنتاجية ودعما للنمو الاقتصادي المستدام.
علاوة على ذلك، تبرز الأهمية البالغة لهذه المنصة من خلال الآليات العملية التي تعتمدها لتأطير المستوردين الحاملين لرموز النشاط (4xxxxx) والذين يحوزون على شهادة بذلك، إذ تتيح لهم إيداع طلباتهم ودراستها إلكترونيا في بيئة تتسم بالوضوح، والأهم من ذلك كله هو ارتكاز عملية دراسة ومعالجة الطلبات على التحليل الدقيق ومقاطعة المعلومات بالرجوع المباشر إلى البطاقية الوطنية للمنتوج الجزائري، وهو البند الذي يعتبر محوريا ويهدف بالدرجة الأولى إلى حماية المنتوج الوطني وتشجيع الصناعات المحلية باعتبارها أولوية وطنية، خاصة في ظل ما يشهده العالم من أزمات اقتصادية وجيوسياسية متلاحقة أثرت بشدة على سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يفرض على الدولة ضرورة التركيز الفعلي على سياسات إحلال الواردات، ودعم الإنتاج المحلي بقوة، وبناء سلاسل توريد وطنية متماسكة في العديد من الصناعات الحيوية لضمان الأمن الاقتصادي، وبمجرد استكمال دراسة الطلبات والموافقة عليها، يتسلم المستوردون وثيقة التوطين البنكي كخطوة نهائية لاستكمال إجراءات الاستيراد بطريقة منظمة تحمي مقدرات الخزينة العمومية.
ويتقاطع هذا المسعى الحكومي مع الرؤى الأكاديمية والتحليلات المتخصصة التي تثمن التوجه نحو إدارة الاقتصاد بأدوات حديثة، وفي هذا الصدد يؤكد أستاذ الاقتصاد والحوكمة الاقتصادية الدكتور بوقادير السعيد في تصريح لـ»الشعب» على الأهمية البالغة لهذا القرار في دفع عجلة التنمية وتصحيح الاختلالات الهيكلية، مشيرا إلى أن رقمنة قطاع حساس كقطاع الاستيراد تمثل خطوة عقلانية وعملية لضبط السوق الداخلي والحد من النزيف المالي الذي استنزف مقدرات البلاد خلال العقد الماضي، كما يوضح الدكتور بوقادير أن دمج التكنولوجيا المتقدمة في تسيير الشأن التجاري يرفع بشكل مباشر من كفاءة الأداء الحكومي، ويقلص بشكل ملحوظ من هوامش التدخل البشري الذي غالبا ما يفتح المجال للتلاعب والفساد الإداري، مبينا أن الاعتماد على قاعدة بيانات وطنية شاملة لمقارنة طلبات الاستيراد بقدرات الإنتاج المحلي يعد آلية اقتصادية فعالة لضمان عدم توجيه العملة الصعبة نحو استيراد سلع ومواد يمكن توفيرها وتصنيعها محليا، مما يدعم في النهاية تنافسية المؤسسات الجزائرية، ويشجع الاستثمار الداخلي، ويخلق بيئة اقتصادية أكثر استقرارا وموثوقية لجميع الفاعلين الاقتصاديين.
ويرى العديد من المتابعين أن تنظيم عمليات الاستيراد الموجه لإعادة البيع على الحالة عبر هذه المنصة الرقمية المتكاملة، يمثل أداة تنظيمية حديثة تخدم استراتيجية الدولة الشاملة في تحقيق التوازن المالي والاقتصادي، حيث تتكامل جهود ترقية الصادرات خارج المحروقات مع سياسات الترشيد وضبط الواردات لتشكيل بيئة تجارية أكثر تنافسية، وهو ما يعزز من قدرة الاقتصاد الوطني على التأقلم بمرونة مع المتغيرات والأزمات، مع التركيز الدائم على إرساء تقاليد عمل تعطي الأولوية القصوى للكفاءة وتكريس مبادئ الحوكمة الرشيدة.



