الجزائــر وإيطاليـا تؤسّسـان نموذج تعـاون متـوازن بين ضفتـي المتوسّـــط
العلاقــات الثنائيــة تتّجــه نحو ترسيــخ شراكة استراتيجيــة شاملـــة
يؤكّد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة قالمة، الدكتور محمد الصالح جمال، في حوار مقتضب لـ»الشعب»، أنّ زيارة ميلوني إلى الجزائر تمثل محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية، تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية، في إطار رؤية استراتيجية تسعى إلى تحقيق الاستقرار والتنمية.
«الشعب»: ماذا لو تحدثنا عن أهمية زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى الجزائر؟
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.. محمد الصالح جمال: تكتسي زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى الجزائر أهمية خاصة، تتجاوز إطارها البروتوكولي لتعكس تحوّلا نوعيا في طبيعة العلاقات الثنائية بين البلدين، التي باتت تتجه تدريجيا نحو ترسيخ شراكة استراتيجية شاملة، ذلك أنّ الزيارة تأتي في سياق دولي وإقليمي يتّسم بقدر كبير من التحوّلات، حيث أعادت الأزمات المتلاحقة، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا، إضافة إلى الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، تشكيل أولويات الدول، خاصة فيما يتعلق بأمن الطاقة والاستقرار الجيوسياسي. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار هذه الزيارة تعبيرا عن تقاطع مصالح عميق بين بلدين يسعيان إلى إعادة تموقعهما ضمن بيئة دولية متغيّرة.
في السياق الداخلي الإيطالي، تواجه هذه الأخيرة تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، تتطلّب من الحكومة البحث عن حلول واقعية ومستدامة، خاصة في مجال الطاقة الذي يشكّل عصب الاقتصاد الإيطالي، فقد أدى تراجع الاعتماد على الغاز الروسي إلى دفع صناع القرار في روما نحو تنويع مصادر التزوّد، وهو ما جعل الجزائر تبرز كشريك موثوق يتمتع بقدرات إنتاجية عالية، بسجلّ إيجابي في احترام التزاماته التعاقدية.. هذا التوجّه لا يندرج فقط ضمن منطق الضرورة الاقتصادية، وإنما يعكس أيضا رؤية استراتيجية أوسع تقوم على إعادة توجيه الاهتمام الإيطالي نحو الجنوب المتوسطي، باعتباره فضاءً حيويا لأمنها القومي.. وفي هذا الإطار، تمنح العلاقة مع الجزائر للحكومة الإيطالية فرصة لتعزيز استقرارها الداخلي من خلال ضمان إمدادات طاقوية مستقرّة، وهو ما ينعكس إيجابا على الأداء الاقتصادي وعلى ثقة الفاعلين الصناعيين.
الجزائر اليوم فاعل إقليمي على جميع الأصعدة ما يجعل منها شريكا موثوقا، كيف ترون دورها المستقبلي في المنطقة؟
تنظر الجزائر إلى هذه الزيارة كفرصة لتعزيز موقعها كشريك استراتيجي في الفضاء المتوسطي، وكفاعل إقليمي يتمتّع بقدرة متزايدة على التأثير في معادلات الاستقرار بمختلف أبعاده. فالجزائر التي تمتلك موارد طاقوية مهمة وموقعا جيوسياسيا متميّزا، نجحت في السنوات الأخيرة في توظيف هذه المقومات لتعزيز حضورها الدبلوماسي، خاصة في القضايا المرتبطة بالأمن في منطقة الساحل وتسوية النزاعات الإقليمية.. هذا الدور يمنحها مصداقية متزايدة على الساحة الدولية، ويجعلها شريكا مرغوبا فيه ولا غنى عنه من قبل القوى الأوروبية، التي تبحث عن فاعلين مستقرّين وموثوقين في محيطها الجنوبي، كما أنّ هذا التقارب يعكس رغبة إيطالية في تبني مقاربة أكثر توازنا في تعاملها مع الجنوب، تقوم على الشراكة والمصالح المتبادلة وفق قاعدة رابح-رابح.
إلى جانب البعد الطاقوي، تحمل هذه الزيارة أبعادا أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بالتعاون في مجالات الأمن والهجرة والاستثمار، ففيما يخص ملف الهجرة غير النظامية، يشكّل التعاون بين الجزائر وإيطاليا عنصرا أساسيا في إدارة هذه الظاهرة المعقدة، من خلال تبادل المعلومات وتعزيز التنسيق الأمني. أمّا على الصعيد الاقتصادي، فإنّ توسيع مجالات التعاون ليشمل قطاعات مثل الصناعة والبنية التحتية والطاقة المتجدّدة، يعكس رغبة مشتركة في بناء شراكة مستدامة تتجاوز الطابع الريعي للعلاقات التقليدية.
ومن الزاوية الاستراتيجية، تبرز قوة الجزائر الإقليمية كعنصر حاسم في تفسير هذا التقارب، حيث لم تعد الجزائر مجّرد مورّد للطاقة، وإنما صارت فاعلا محوريا في معادلات الأمن والاستقرار بالمنطقة، فدورها في مكافحة الإرهاب، ومساهمتها في جهود الوساطة، وتمسّكها بمبدأ الحلول السياسية، كلها عوامل تعزّز من مكانتها كقوة إقليمية متوازنة.. هذه المكانة تمنحها قدرة تفاوضية متقدمة، وتجعل من الشراكة معها خيارا استراتيجيا لإيطاليا التي تسعى إلى تعزيز حضورها في فضاء يشهد تنافسا متزايدا.
إلى أي مدى نجحت الجزائر وإيطاليا في بناء نموذج تعاون متوازن بين ضفتي المتوسّط؟
تعكس زيارة ميلوني المرتقبة إلى الجزائر، تحوّلا أعمق في طبيعة العلاقات الدولية، يقوم على إعادة تعريف الشراكات وفق منطق المصالح المشتركة والندية، ويبرز في الوقت ذاته الجزائر كفاعل إقليمي مؤثر قادر على فرض نفسه كشريك لا غنى عنه في معادلات الحاضر والمستقبل.. في المرحلة المقبلة، يُتوقّع أن تتجه العلاقات بين الجزائر وإيطاليا نحو مزيد من التنظيم والاستقرار، بحيث لا تبقى مرتبطة بالظروف الطارئة، بل تصبح قائمة على تخطيط واضح وطويل الأمد، وقد يظهر ذلك من خلال إنشاء آليات دائمة للتشاور والتنسيق بين البلدين في مختلف المجالات، ما يساعد على التعامل مع التحديات بشكل مبكّر وفعّال.. كما يمكن لهذه العلاقة أن تصبح نموذجا ناجحا للتعاون بين دول الشمال والجنوب، يقوم على التوازن والندية وتبادل المصالح بشكل عادل. وفي هذا الإطار، ستستفيد الجزائر من تعزيز مكانتها الإقليمية، بينما تعزّز إيطاليا دورها كجسر يربط بين أوروبا وإفريقيا، وهو ما يمنح هذه الشراكة بعدا أكثر استقرارا واستمرارية في المستقبل.
أحد أهم أبعاد هذه الزيارة كذلك، يتجلّى في كونها تقوم على أساس من التكامل في المصالح، حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق أهدافه من خلال التعاون مع الآخر. فالجزائر تستفيد من تنويع شركائها وتعزيز مكانتها الدولية، في حين تستفيد إيطاليا من ضمان أمنها الطاقوي وتوسيع حضورها في منطقة استراتيجية.. هذا التوازن في المصالح يشكّل أساسا متينا لبناء علاقة طويلة الأمد، قائمة على الثقة والاحترام المتبادل.
كما أنّ هذه الزيارة تحمل دلالات أخرى مهمة، تعكس مستوى متقدما من الثقة السياسية بين البلدين، وتؤكّد على وجود إرادة مشتركة للارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الشاملة. وهي أيضا مؤشّر على إمكانية بناء نموذج تعاون متوازن بين ضفتي المتوسط، يقوم على إدراك متبادل للتحديات المشتركة، وعلى العمل الجماعي لمواجهتها.




