استثمــارات نوعيــة فــي قطــاعـي المحروقـــات والطاقـات المتجـــددة
اهتمام لافت لوسائل الإعلام الدولية بالزيارة المرتقبــة لميلونـــي
مقاربة قائمة على مؤشرات السوق بعيدا عن توظيف الطاقة كأداة ضغط
تحظى الزيارة المرتقبة لرئيسة مجلس الوزراء الايطالي جورجيا ميلوني، إلى الجزائر باهتمام لافت من قبل وسائل الإعلام الدولية، ولا سيما الأوروبية، التي قرأت هذا التحرّك في سياق التحوّلات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، على وقع الاضطرابات الناجمة عن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط.
ربطت عدة تقارير إعلامية بين الزيارة والمكانة المتزايدة للجزائر كمورد موثوق للطاقة، في ظل حالة عدم اليقين التي تطبع الإمدادات القادمة من مناطق التوتر.
وسلّطت وكالات أنباء دولية متخصّصة الضوء على أبعاد هذه الزيارة، معتبرة أنها تعكس تنامي الطلب الأوروبي على الغاز الجزائري، كبديل مستقرّ في مواجهة تقلبات السوق الدولية. وفي هذا السياق، برزت الجزائر كفاعل طاقوي يتمتهع بدرجة عالية من الموثوقية، سواء من حيث احترام الالتزامات التعاقدية أو من حيث القدرة على الاستجابة للمتغيرات الظرفية.
ومن المهم التذكير بأنّ زيارة ميلوني كانت مبرمجة منذ أسابيع، أي قبل اندلاع موجة التصعيد الأخيرة في منطقة الخليج، حيث كان من المنتظر أن تتوّج بانعقاد اللجنة العليا المشتركة بين البلدين. غير أنّ التطورات الجيوسياسية أضفت على هذه الزيارة بعدا إضافيا، وجعلت منها محطة ذات دلالات استراتيجية تتجاوز إطارها الثنائي.
وفي موازاة ذلك، تحدثت تقارير متعدّدة عن توجه كل من إيطاليا وإسبانيا نحو طلب كميات إضافية من الغاز الجزائري، في وقت يلتزم فيه الطرف الجزائري بتوفير الكميات المتعاقد عليها عبر خطوط الأنابيب العابرة للحدود، إضافة إلى تزويد السوق بكميات من الغاز الطبيعي المسال ضمن آليات السوق المفتوحة. ويعكس هذا التوجه حجم الثقة التي تحظى بها الجزائر كشريك طاقوي مستقر. يكشف هذا الاهتمام المتزايد بالدور الطاقوي الجزائري عن ضرورة تبني مقاربة استراتيجية في إدارة العلاقات مع أوروبا، تقوم على إدراك عناصر القوة التي تمتلكها الجزائر، وفي مقدمتها الموقع الجغرافي القريب، والقدرات الطاقوية المؤكهدة، إلى جانب سجلّها في إدارة شراكات قائمة على البراغماتية والاحترام المتبادل.
ضمن هذا الإطار، يتّضح أنّ الجزائر تكرّس موقعها كفاعل استراتيجي محوري في شمال إفريقيا، وهو موقع لا يستقيم اختزاله في مقاربات تنافسية مع أطراف أخرى تفتقر إلى نفس الوزن الجيوسياسي والاقتصادي، خاصة في أوقات الأزمات، فالدور الذي تضطلع به الجزائر يستند إلى معطيات موضوعية تتعلّق بالإمكانات والقدرة على التأثير، وليس إلى أدوار أو اعتبارات ظرفية.
كما أنّ تعزيز هذا الموقع يمرّ عبر مقاربة اقتصادية سيادية، تعتمد على تثمين الموارد الوطنية، البشرية منها والطبيعية، مع الانفتاح المدروس على الاستثمارات الأجنبية، لا سيما الأوروبية، بهدف تنويع الاقتصاد الوطني وتطويره خارج قطاع المحروقات، بالتوازي مع تحديث هذا القطاع وتوسيعه ليشمل الطاقات المتجدّدة في إطار رؤية شاملة ومستدامة.
على صعيد تسويق الموارد الطاقوية، تواصل الجزائر اعتماد مقاربة قائمة على المعايير التجارية ومؤشّرات السوق، بعيدا عن توظيف الطاقة كأداة ضغط أو مساومة سياسية، وهو ما يعزّز صورتها كشريك موثوق ومسؤول في السوق الدولية.
وفي هذا السياق، يبرز النموذج الإيطالي كشريك منخرط بفعالية في الديناميكية الاقتصادية والطاقوية الجزائرية، من خلال استثمارات نوعية ومشاريع مشتركة، مكّنت البلدين من إرساء أسس شراكة استراتيجية متقدمة، تنعكس في ارتفاع حجم المبادلات وتنوّع مجالات التعاون، بما يعزّز آفاق التكامل بين الضفتين.



