السياسـة الخارجية المتوازنة تمنح الجزائر مصداقية دولية متزايـــــدة
مصداقيــة متزايـدة لبلادنا وقدرة على التعـــــامل مع مختــلف الشركاء
يرى المحلّل السياسي محمد الشريف ضروي، أنّ زيارة جورجيا ميلوني إلى الجزائر تندرج ضمن سياق دولي وإقليمي بالغ الدقة، يتّسم بتسارع التحولات الجيوسياسية وتزايد التحديات المرتبطة بأمن الطاقة، ما يجعل من هذه الزيارة محطة تتجاوز طابعها الثنائي نحو أبعاد استراتيجية أوسع، تعكس إعادة ترتيب الأولويات لدى العديد من الدول في ظل بيئة دولية متقلبة.
في هذا السياق، أوضح ضروي أنّ الزيارة يمكن قراءتها من خلال ثلاثة مستويات رئيسية متداخلة، تشكّل في مجموعها الإطار الحقيقي لفهم دلالاتها. ويتمثل المستوى الأول في البعد الطاقوي الذي يظل العنوان الأبرز في ظل التحولات التي تعرفها الأسواق العالمية، وحرص الدول على تأمين مصادر طاقة موثوقة ومستقرّة، بعيدا عن التقلبات الظرفية.
وأشار المتحدث إلى أنّ إيطاليا كغيرها من الدول الأوروبية، لم تعد تبحث عن مزوّد تقليدي للطاقة فقط، بحكم أنها تتجه نحو بناء شراكات استراتيجية مع دول قادرة على ضمان الاستمرارية والاستقرار في الإمدادات، وفي هذا الإطار، تبرز الجزائر كفاعل محوري، بالنظر إلى ما تتوفر عليه من إمكانات معتبرة، سواء من حيث الموارد الطبيعية أو البنية التحتية، فضلا عن موقعها الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية.
وأضاف ضروي أنّ المقاربة الطاقوية الجديدة لم تعد تقتصر على الكميات والأسعار، فقد أصبحت ترتكز على معايير أوسع، تشمل موثوقية الشريك، والاستقرار السياسي والقدرة على التكيف مع المتغيرات الدولية، وهو ما يعزّز من مكانة الجزائر كشريك استراتيجي موثوق، وليس مجرّد مموّن تقليدي. كما أنّ الجزائر – من جهتها – تعمل على استثمار هذه المكانة للانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على تثمين مواردها بشكل أفضل، وتعزيز القيمة المضافة لاقتصادها الوطني.
ويرى محدثنا أنّ أهمية هذه الزيارة لا تقتصر على بعدها الطاقوي، لأنها تمتد إلى مستوى ثانٍ يرتبط بإعادة التموضع ضمن المتغيرات الجيوسياسية الراهنة، حيث يشهد العالم حركية متسارعة لإعادة تشكيل التحالفات، وفق معطيات جديدة تفرضها التحديات الاقتصادية والأمنية.
في هذا السياق، تبرز الجزائر كدولة تنتهج سياسة خارجية متوازنة، تقوم على عدم الانحياز، ما يمنحها مصداقية متزايدة وقدرة على التعامل مع مختلف الشركاء.
وأشار ضروي إلى أنّ التوترات الدولية، لاسيما تلك المرتبطة بـ»إيران»، تلقي بظلالها على المشهد العالمي، وتدفع العديد من الدول إلى البحث عن شركاء يتمتّعون بالاستقرار والموثوقية، وهو ما يعزّز من أهمية الجزائر في هذه المرحلة، ويفتح أمامها آفاقا أوسع لتعزيز دورها الإقليمي والدولي.
وفي هذا الإطار، تبرز الجزائر كطرف قادر على لعب دور توازني في منطقة جنوب المتوسط، بفضل موقعها الجغرافي وخياراتها الدبلوماسية التي ترتكز على الاستقلالية والبراغماتية، وهو ما يجعلها شريكا مفضّلا لدى العديد من الدول الباحثة عن الاستقرار في علاقاتها الخارجية.
أمّا المستوى الثالث، فيرتبط بإعادة بناء الشراكات على أسس جديدة تقوم على التكامل وتبادل المصالح، حيث تسعى الجزائر إلى الانتقال من موقع «المموّن» إلى موقع «الشريك»، من خلال توسيع مجالات التعاون لتشمل قطاعات متعدّدة، على غرار الصناعة والاستثمار ونقل التكنولوجيا، فضلا عن تعزيز التعاون في مجالات التكوين والبحث العلمي.
في هذا السياق، تعكس زيارة جورجيا ميلوني إرادة مشتركة بين الجزائر وإيطاليا للدفع بالعلاقات الثنائية نحو مستويات أكثر تقدما، بما ينسجم مع التحوّلات الدولية ويستجيب لمتطلبات المرحلة، خاصة في ظل تزايد أهمية منطقة جنوب المتوسّط كفضاء استراتيجي، كما أنّ هذه الزيارة تفتح المجال أمام تطوير مشاريع مشتركة في مجالات متعدّدة، بما في ذلك الطاقة المتجدّدة، والصناعات التحويلية، وهو ما من شأنه أن يعزّز من البعد الاقتصادي للعلاقات الثنائية، ويدعم جهود الجزائر في تنويع اقتصادها الوطني، ويعطي إشارات قوية للأسواق والشركاء بأنّ الجزائر قادرة على لعب دور استراتيجي متكامل.
وفي معرض حديثه عن مسألة اعتبار الجزائر بديلا استراتيجيا في مجال الطاقة، أكّد ضروي أنّ هذا الطرح ينبغي أن يُفهم في إطار رؤية متكاملة، حيث لا يتعلّق الأمر ببديل ظرفي، بل بشريك أساسي ضمن منظومة متعدّدة الأطراف، غير أن ما يميّز الجزائر هو قدرتها على توفير شروط الاستقرار والاستمرارية، وهو ما يجعلها محل ثقة متزايدة لدى الشركاء الأوروبيين.
كما شدّد ضروي على أنّ هذه الديناميكية تمثل فرصة هامة للجزائر، غير أنها تفرض – في المقابل – تحديات تتعلّق بضرورة تعزيز القدرات الإنتاجية، وتطوير البنية التحتية، وتحسين مناخ الاستثمار، بما يسمح بالاستفادة المثلى من هذه التحولات، ويحولها إلى شراكات مستدامة وقيمة على المدى الطويل.
وأبرز ضروي أنّ الجزائر تعتمد في مقاربتها على تنويع شراكاتها وعدم الارتهان لأي محور، في إطار سياسة خارجية متوازنة تحافظ على استقلالية القرار الوطني، وهو ما يمنحها هامشا أوسع للمناورة في ظل التحولات الدولية المتسارعة، ويؤكّد قدرتها على أن تكون لاعبا محوريا في المعادلات الإقليمية والدولية.
وفي قراءة أشمل، تعكس هذه الزيارة إدراكا متزايدا لدى الدول الأوروبية لأهمية الجزائر كفاعل إقليمي قادر على المساهمة في تعزيز الاستقرار، وبناء شراكات متوازنة تخدم مصالح مختلف الأطراف، وتدعم استراتيجيات التنمية المستدامة على المدى المتوسط والبعيد.
تعتبر زيارة جورجيا ميلوني إلى الجزائر – وفق ضروي – محطة هامة في مسار العلاقات الثنائية، وتعكس في الوقت ذاته تحوّلات أعمق في المشهد الدولي، حيث تتقاطع رهانات الطاقة مع اعتبارات الجغرافيا السياسية، لتضع الجزائر في موقع متقدم ضمن معادلة إقليمية ودولية آخذة في التشكّل، كما أنها تؤّكد توجّها نحو بناء شراكات استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة والاستقرار، وتبرز في الآن ذاته الإمكانات التي تتوفر عليها الجزائر لتعزيز موقعها كفاعل أساسي في محيطها الإقليمي والدولي، في ظل مرحلة تتطلب قدرا عاليا من التكيّف والبراغماتية في التعامل مع مختلف التحديات، واستشرافا دقيقا لمتغيّرات المرحلة المقبلة.




