تواصل الجزائر مسارها بخطى ثابتة، نحو إرساء نموذج اقتصادي جديد يقوم على تنويع مصادر الدخل والتحرر التدريجي من التبعية للقطاعات التقليدية، في ظل تحولات عالمية تفرض الاعتماد على الابتكار والتكنولوجيا كمحركين أساسيين للنمو، وفي هذا الإطار، يبرز دور الجامعة الجزائرية كفاعل محوري في هذه المعادلة، من خلال تبني مقاربة جديدة تقوم على ربط البحث العلمي بالمحيط الاقتصادي، وتحويل الأفكار الأكاديمية إلى مشاريع استثمارية ملموسة.
وأكد المختص في الاقتصاد الدكتور عبد القادر لحول، في تصريح لـ»الشعب» أن المشاريع المبتكرة التي تحتضنها الجامعة الجزائرية أصبحت تساهم بشكل فعلي في خلق جيل جديد من رواد الأعمال، القادرين على تأسيس مؤسسات ناشئة ومصغرة، وهو ما من شأنه توسيع القاعدة الاقتصادية الوطنية، موضحا أن هذا التحول يعكس نقلة نوعية في التفكير الاستراتيجي، حيث لم يعد الاعتماد مقتصرا على الموارد التقليدية، بل أصبح موجها نحو اقتصاد المعرفة الذي يقوم على استغلال الكفاءات والابتكار.وأشار المتحدث إلى أن النسيج الوطني للمؤسسات الناشئة يشهد تطورا ملحوظا، حيث تم تسجيل ما يقارب 8 آلاف مؤسسة ناشئة إلى غاية السنة الجارية، في حين تسعى الدولة إلى بلوغ هدف 20 ألف مؤسسة بحلول سنة 2029، وهو هدف يعكس الإرادة السياسية القوية لدعم هذا التوجه. ويرتقب، وفق محدثنا، أن تساهم هذه المؤسسات في تحقيق فائض إنتاجي معتبر، يمكن توجيهه نحو التصدير، ما يسمح بفتح أسواق جديدة وتعزيز تدفق العملة الصعبة، وبالتالي تحقيق تنويع فعلي لمصادر الدخل الوطني.كما شدد الدكتور لحول على أن هذا المسار لا ينفصل عن ربط المشاريع ذات الأولوية بالأهداف الاستراتيجية للدولة، على غرار الأمن الغذائي والطاقوي والمائي، وكذا الأمن السيبراني، وهو ما يعكس وعيا متزايدا بضرورة توجيه الابتكار نحو تلبية الاحتياجات الحيوية للبلاد وتعزيز سيادتها في مختلف المجالات.
ربــط البحـث العلمــي بالاقتصـاد..
وفي سياق حديثه عن أهمية ربط الجامعة بالقطاع الاقتصادي، أوضح الدكتور لحول أن هذا التوجه يتيح تثمين مخرجات البحث العلمي، من خلال تحويلها إلى حلول عملية لمشاكل المؤسسات الاقتصادية، بالاعتماد على أحدث التكنولوجيات، وأضاف أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تبنت رؤية جديدة تقوم على جعل الجامعة فضاء اقتصاديا منتجا، وليس مجرد مؤسسة تعليمية تقليدية.
وفي هذا الصدد، أشار المتحدث إلى أن الجامعة أصبحت قادرة على تسويق براءات الاختراع وبيعها، إلى جانب تحويل مذكرات التخرج إلى مشاريع اقتصادية قابلة للتجسيد في الواقع، ويأتي ذلك في إطار اعتماد مبدأ «الابتكار المفتوح» (Open Innovation)، الذي يقوم على إشراك الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين في مختلف مراحل إعداد وتقييم المشاريع، بما يضمن توافقها مع احتياجات السوق ويعزز فرص نجاحها.وأكد المتحدث أن هذا التكامل بين الجامعة والمؤسسة الاقتصادية من شأنه تسريع وتيرة التطور التكنولوجي والصناعي، وتحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني، من خلال استغلال الكفاءات العلمية وتحويلها إلى قوة إنتاجية فعالة.
المؤسســـات الناشئـة.. رافعـة التشغيــل
وعن الدور الاجتماعي والاقتصادي للمؤسسات الناشئة، أبرز الدكتور لحول أنها تمثل قاطرة حقيقية لخلق الثروة واستحداث مناصب الشغل، خاصة وسط الشباب الجامعي، موضحا أن كل مؤسسة ناشئة يمكن أن توفر في بدايتها ما بين 6 إلى 15 منصب عمل، وهو ما يفتح آفاقا واعدة لاستيعاب خريجي الجامعات.
وأضاف أنه في حال تحقيق الهدف المسطر بإنشاء 20 ألف مؤسسة ناشئة بحلول سنة 2029، فإن ذلك قد يفضي إلى استحداث ما لا يقل عن 300 ألف منصب شغل، وهو رقم يعكس الأثر الإيجابي الكبير لهذا التوجه على سوق العمل، وبذلك يتحول الطالب الجامعي من باحث عن وظيفة إلى صانع لها، في إطار بيئة مهنية ديناميكية تقوم على الابتكار والمبادرة.
كما أشار إلى أن هذه المؤسسات تساهم في استقطاب الكفاءات الشابة ومنحها الفرصة لإبراز قدراتها، مما يعزز من تنافسية الاقتصاد الوطني ويرسخ ثقافة المقاولاتية لدى الجيل الجديد.
الابتكــار والتكنولوجيـا.. محركــا التنافسيـــة
وفيما يتعلق بدور الابتكار والتكنولوجيا، أكد المختص في الاقتصاد أن مراكز الدعم التكنولوجي والابتكار تلعب دورا محوريا في تحويل الأفكار الطلابية إلى براءات اختراع أو نماذج أعمال قابلة للتنفيذ، مشيرا إلى أن هذه المراكز تعمل على مرافقة الطلبة وتوفير البيئة المناسبة لتطوير مشاريعهم، بما يضمن انتقالها من مرحلة الفكرة إلى مرحلة التجسيد.وأوضح لحول أن اعتماد «الابتكار المفتوح» يسمح بتسهيل تدفق المعرفة والخبرات بين المختبرات الجامعية والمؤسسات الاقتصادية، ما يساهم في رفع الإنتاجية وتحسين القدرة التنافسية، كما يتيح هذا النهج استغلال الخزان المعرفي الكبير الذي تزخر به الجامعة الجزائرية، وتحويله من طاقات كامنة إلى مشاريع مبتكرة تساهم في التنمية.
تحديــات قائمــة ومرافقـة ضرورية
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، أقر الدكتور لحول بوجود جملة من التحديات التي قد تواجه المشاريع الناشئة، خاصة ما يتعلق بنقص الخبرة في مجالات التسيير المالي والإداري لدى الطلبة. وأكد أن تجاوز هذه العقبات يتطلب تعزيز التكوين في مجالات المناجمنت والمحاسبة والمالية، بما يمكن الشباب من اكتساب المهارات اللازمة لإدارة مشاريعهم بنجاح.
كما شدد على أهمية الدور الذي تلعبه الحاضنات الجامعية وخلايا التوجيه، إلى جانب اللجنة الوطنية لمتابعة الابتكار، في مرافقة الطلبة وضمان تحويل أفكارهم إلى مشاريع مستدامة قادرة على المنافسة في السوق.
جامعة منتجة واقتصـاد تنافسي
أوضح الدكتور لحول أن تعزيز مساهمة الجامعة في دفع عجلة التنمية الاقتصادية يمر عبر تفعيل آليات المرافقة المؤسساتية، مثلما نص عليه القرار رقم 05 لسنة 2025، الذي يوفر -كما قال- إطارا ملائما لدعم الابتكار والمقاولاتية داخل الوسط الجامعي.
ودعا المختص الاقتصادي إلى توسيع الشراكات بين الجامعة والمؤسسات الاقتصادية في إطار «الابتكار المفتوح»، بما يضمن توجيه البحوث العلمية نحو تلبية احتياجات السوق وتحقيق الأهداف الوطنية، خاصة في مجالي الإنتاج والتصدير في أفق 2029.
واعتبر أن هذا التوجه يشكل ركيزة أساسية لبناء اقتصاد وطني تنافسي قائم على المعرفة، يضمن تحقيق السيادة الاقتصادية في مختلف القطاعات الاستراتيجية، ويمنح الجزائر موقعا متقدما في الاقتصاد العالمي المبني على الابتكار والتكنولوجيا.





