بناء شراكات اقتصادية وتنموية وفق تبادل المصالح والمنفعة المشتركة
شكّلت الزيارة الرّسمية التي أجراها الوزير الأول، سيفي غريب، إلى جمهورية النيجر توجّها عمليا ومدروسا في مسار الدبلوماسية الجزائرية، حيث عملت الجزائر بشكل تدريجي على إعادة صياغة علاقاتها مع دول الجوار لتتجاوز طابعها الرّمزي والأخوي، نحو بناء شراكات اقتصادية وتنموية قائمة على تبادل المصالح والمنفعة المشتركة.
جاءت هذه الخطوة تزامنا مع انعقاد الدورة الثانية للّجنة المشتركة الكبرى للتعاون، لتعكس إرادة سياسية تهدف إلى تجسيد التوافقات الثنائية في شكل مشاريع ملموسة تخدم مساعي التكامل الإقليمي، بعيدا عن المقاربات النظرية البحتة التي طالما حكمت الفضاء الإفريقي.
وفي سياق متصل، يبرز البعد الجيو-اقتصادي بوضوح من خلال التركيز على ضرورة تسريع وتيرة إنجاز المشاريع الهيكلية الكبرى، التي تمثل ركيزة أساسية للربط التنموي والطاقوي، وعلى رأسها أنبوب الغاز العابر للصّحراء، والذي يمثل أحد أكبر مشاريع الطاقة في تاريخ القارة الإفريقية، والذي يهدف إلى نقل 30 مليار متر مكعب سنويا من الغاز الطبيعي من نيجيريا مرورا بالنيجر ثم الجزائر، والطريق العابر للصّحراء، وشبكة الألياف البصرية، حيث تشير المعطيات والتصريحات إلى حتمية الانتقال الفعلي نحو مراحل التنفيذ الميداني وتجاوز العقبات التقنية والإدارية المتبقية، ويكتسي قطاع الطاقة أهمية بالغة في هذه الشراكة، إذ تعمل الجزائر على توظيف خبراتها التقنية المتراكمة في مجالات الاستكشاف النفطي والمحروقات لتطوير الموارد الطاقوية في النيجر، خاصة عبر العملاق سوناطراك أكبر شركة في إفريقيا في مجال المحروقات، إلى جانب دفع مساعي التعاون في قطاع الطاقات المتجدّدة ومشاريع الربط الكهربائي للمناطق الريفية والحدودية، ممّا يساهم في توفير بنية تحتية ملائمة تدعم التنمية المحلية وتستجيب للاحتياجات الأساسية للسكان وتدفع بعجلة الإنتاج.
بالإضافة إلى ذلك، اتجهت مخرجات هذه الدورة نحو تنويع مجالات التعاون لتشمل قطاعات حيوية أخرى تخرج عن الإطار التقليدي للتبادل، وهو ما تُرجم عمليا من خلال التوقيع على أكثر من عشرين اتفاقية ومذكّرة تفاهم مسّت قطاعات البحث الجيولوجي، الفلاحة، الصناعة الصيدلانية والرّقمنة، حيث تهدف هذه الحزمة من الاتفاقيات إلى خلق شبكة متداخلة من المصالح الاقتصادية التي تضمن ديمومة العلاقات، كذلك، شكّل تنظيم منتدى الأعمال الجزائري-النيجري خطوة إجرائية هامة لإشراك الفاعلين الاقتصاديين والقطاع الخاص في هذه الحركية التنموية، مدعوما بدعوات صريحة لتبسيط الإجراءات الجمركية وإنشاء أسواق حدودية منظمة، لتتحول بذلك المناطق الحدودية الشاسعة إلى مساحات حيوية للتبادل التجاري والتكامل الاقتصادي، بدلا من كونها مجرّد نقاط عبور جغرافية، ومن المنتظر أن نرى مستقبلا مناطق للتبادل الحرّ بين الجزائر والنيجر، من شأنها أن تشكّل دعما كبيرا لاسيما للسكان النيجريين على الحدود، خاصة مع تفعيل مبدأ المقايضة بدل الاعتماد بشكل كامل على الدفع النقدي.
من زاوية أخرى، يرتبط هذا المسار الاقتصادي والتنموي بين الجزائر والنيجر ارتباطا وثيقا بالمعطيات الأمنية المعقدة التي تميّز فضاء الساحل والصّحراء، حيث تفرض التحديات المرتبطة بنشاط الجماعات الإرهابية المسلّحة وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود تبني مقاربة شاملة ومتوازنة، وتعتمد الرؤية الجزائرية في هذا الإطار على التنسيق الأمني المحكم مع النيجر، بالتوازي مع تحفيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق الهشّة باعتبارها حلا مستداما، إيمانا بأنّ الاستقرار الأمني لا يمكن أن يتحقّق أو يُستدام دون توفير بدائل اقتصادية حقيقية تحصّن المجتمعات المحلية ضدّ التأثيرات السلبية لمختلف أشكال الإتجار غير المشروع، وتجعل من المواطن الحدودي شريكا في معادلة الاستقرار.
كما تعكس هذه الحركية الدبلوماسية والاقتصادية توجّها براغماتيا يربط بين الأمن القومي والتنمية الإقليمية، ويؤسّس لنموذج تعاون ثنائي يعتمد على لغة الأرقام والمشاريع الميدانية، ممّا يُسهم في تعزيز قدرة البلدين على مواجهة التحديات المشتركة وبناء فضاء إقليمي أكثر استقرارا وتكاملا يخدم التطلّعات التنموية للشعبين.
وتشكّل الجزائر والنيجر، في ظرف وجيز، نموذجا إيجابيا للتعاون الإفريقي-الإفريقي، وللقدرة على تجاوز الخلافات التي غذّتها أطراف خارجية سعت إلى ضرب مسارات التعاون بين دول المنطقة، فقد تمكّن البلدان من طي صفحة التباين بسرعة، والانتقال إلى بناء علاقات حقيقية قائمة على المنفعة المتبادلة وتعزيز التكامل الطاقوي، بما قد يحول محور نيجيريا-النيجر-الجزائر إلى واحد من أهم وأكبر مسارات نقل الطاقة في إفريقيا والعالم.


