بلادنــا مرشحة للعــب دور محــوري في دعم الأمـن الصناعـي الأوروبــي
في ظل نقص الإمدادات في الأسواق العالمية تتجه أنظار الصناعيين والمستوردين نحو موردين قادرين على الجمع بين الاستقرار والموثوقية، وفي هذا السياق، تبرز الجزائر كفاعل محوري قادر على تأمين تموين منتظم ومستدام لمختلف الزبائن، خاصة في الأسواق الأوروبية.. إنها لحظة مفصلية قد تعيد رسم خريطة سوق الهيليوم العالمية، وتضع الجزائر في قلبها كقوّة صاعدة بثقة وثبات، بحكم أنها مرشحة للعب دور محوري في دعم الأمن الصناعي الأوروبي..
بفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي، واحتياطياتها الهامة، وخبرتها الطويلة في قطاع الطاقة، أصبحت الجزائر خيارا موثوقا يلي حاجيات الصناعات الحيوية التي تعتمد على الهيليوم، من التكنولوجيا المتقدّمة إلى القطاع الطبي، فقدرة الجزائر على الحفاظ على استقرار صادراتها، في وقت تعرف فيه سلاسل التوريد العالمية تقلبات حادّة وتذبذبات حقيقية، يجعل منها شريكا أساسيا يضمن للزبائن أمنا تموينيا واستمرارية في التزويد، وهو ما يعزز مكانتها كقطب صاعد في سوق الهيليوم العالمية.
في ظل التحوّلات الجيو-سياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، تعيش أسواق الهيليوم حالة من الارتباك وعدم اليقين، نتيجة تذبذب الإمدادات العالمية وتعقد سلاسل التوريد، وقد أثر تذبذب إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب التحدّيات اللوجستية واضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز على تموين المستوردين، وهذا ما دفع الأسواق الأوروبية والعالمية إلى البحث عن موردين يتمتعون بالاستقرار والموثوقية، وهنا تبرز الجزائر كأحد أبرز المرشحين للعب دور محوري في إعادة التوازن إلى سوق الهيليوم العالمية، خاصّة أنها برهنت في عديد الأزمات الطاقوية أنها منتج كبير ذو خبرة طويلة واحترافية عالية له كلمة وثقل في الأسواق.
وتمتلك الجزائر مقومات قوية تؤهلها لتكون فاعلا رئيسيا في سوق الهيليوم، حيث تقدر قدرتها الإنتاجية بنحو 50 مليون متر مكعب سنويا، ما يضعها في المرتبة الثالثة عالميا بعد دولتي الولايات المتحدة الأمريكية وقطر، كما بلغ إنتاجها الفعلي نحو ما لا يقل عن 11 مليون متر مكعب سنة 2024، ضمن سوق عالمي وصل إلى 180 مليون متر مكعب، مسجلا نموا بنسبة 4 بالمائة مقارنة بالعام الماضي.
يذكر أن الهيليوم في الجزائر يستخرج كمنتج مرافق لعمليات إنتاج الغاز الطبيعي، خاصة من حقل حاسي الرمل، أحد أكبر الحقول الغازية في العالم، ما يمنح الجزائر ميزة تنافسية من حيث تكلفة الإنتاج واستدامته وبالنظر كذلك إلى قرب الأسواق الأوروبية.
ولا تقتصر قوّة الجزائر على الإنتاج الحالي فقط، بل تمتد إلى قاعدة احتياطيات ضخمة تعزز من موقعها الاستراتيجي على المدى الطويل، وتشير تقديرات حديثة إلى أن الجزائر تمتلك نحو 8.2 مليار متر مكعب من احتياطيات الهيليوم، لتحتل المرتبة الثالثة عالميا، ضمن إجمالي احتياطي عالمي يقدر بـ52 مليار متر مكعب. هذا الحجم من الاحتياطي يمنح الشركاء الدوليين، خاصة في أوروبا، ثقة متزايدة في قدرة الجزائر على تأمين إمدادات مستقرة، في وقت تتراجع فيه موثوقية بعض الموردين التقليديين.
جدير بالإشارة أنه منذ الأسابيع القليلة الماضية، بدأت الأنظار الأوروبية تتجه – على وجه التحديد – إلى الجزائر باعتبارها شريكا طاقويا موثوقا وقريبا جغرافيا، إلى جانب خبرتها الطويلة في تصدير الغاز الطبيعي، وهي تتمتع ببنية تحتية متطورة وشبكة علاقات طاقوية راسخة مع الأسواق الأوروبية.
وفي ظل الحاجة المتزايدة للهيليوم الذي يعد مادة حيوية في الصناعات التكنولوجية والطبية مثل التصوير بالرنين المغناطيسي وصناعة أشباه الموصلات، فإن قدرة الجزائر على توفير هذا المورد بشكل مستقر تجعلها في موقع يؤهلها للعب دور محوري في دعم الأمن الصناعي الأوروبي.
ولا شك أن الجزائر تعمل على تعزيز مكانتها كمورد عالمي كبير وموثوق للهيليوم، وترسيخ دورها كلاعب أساسي في سوق طاقوية تتجه أكثر فأكثر نحو التنوع والاستدامة، في عالم تتزايد فيه هشاشة سلاسل التوريد، وتتحول الموثوقية إلى عملة نادرة.

