أكّد الأستاذ بجامعة بوزريعة، ياسين مشتة، أن زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية إلى الجزائر لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، خاصة في ظل التحديات المتصاعدة المرتبطة بأمن الطاقة، وإعادة تشكيل خارطة التحالفات الجيو-سياسية.
وأوضح مشتة في تصريح أدلى به إلى “الشعب”، أن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية دفعت بالدول الأوروبية إلى البحث عن بدائل موثوقة ومستقرة لضمان إمداداتها الطاقوية، وهو ما جعل من الجزائر خيارا استراتيجيا لا يمكن تجاوزه، بالنظر إلى موقعها الجغرافي المميز، ووفرة مواردها الطبيعية، فضلا عن استقرارها السياسي مقارنة بعديد المناطق الأخرى، وهو ما يضعها في صلب الحسابات الأوروبية الجديدة، وأضاف المتحدث أن التوترات الدولية المتزايدة، لا سيما تلك المرتبطة بالشرق الأوسط، زادت من مخاوف أوروبا بشأن أمن الممرات الحيوية لإمدادات الطاقة، ما يعزز توجهها نحو شركاء يتمتعون بالمصداقية والاستقرار.
وفي هذا الإطار، تسعى إيطاليا إلى إعادة تموقعها كفاعل رئيسي في معادلة الطاقة الأوروبية، من خلال توطيد شراكتها مع الجزائر، مستفيدة من الحضور القوي لشركاتها الكبرى، وعلى رأسها “إيني” التي تمثل الذراع الاقتصادية لهذا التوجه الاستراتيجي، في مسعى للتحول إلى مركز إقليمي لعبور الغاز نحو أوروبا، بما يمنحها نفوذا متزايدا داخل الاتحاد الأوروبي ويعزز من قدرتها التفاوضية داخل التكتل.
وفي قراءة تحليلية معمّقة لمضامين هذه الزيارة، أكد محدثنا أن الجزائر تكرّس موقعها كقوة إقليمية صاعدة في مجال الطاقة، بعد أن تجاوزت دورها التقليدي كمجرد مموّن للسوق إلى فاعل استراتيجي مؤثر في توازناته.
ويبرز هذا التحول – يقول مشتة – في انفتاح البلاد على آفاق جديدة للتعاون، خاصة في مجالات الطاقات المتجددة والاستثمار، بما يعكس توجها نحو تنويع الشراكات وتعزيز الحضور في الأسواق الدولية، انسجاما مع التحولات العالمية نحو الطاقات النظيفة والاقتصاد منخفض الكربون، وهو ما يمنح الجزائر فرصا إضافية لتثبيت مكانتها في السوق الطاقوية العالمية.
قضايـا مشتركة
وبعيدا عن البعد الطاقوي، شدّد الأستاذ ياسين مشتة على أن الزيارة تحمل أبعادا سياسية ودبلوماسية عميقة، تعكس إدراكا إيطاليا متزايدا للدور المحوري الذي تضطلع به الجزائر في استقرار منطقة البحر الأبيض المتوسط.
وأبرز مشتة – في السياق – أن الجزائر فاعل أساسي في معالجة عدد من الملفات الإقليمية الحساسة، على غرار الوضع في ليبيا ومنطقة الساحل، حيث تنتهج دبلوماسية قائمة على الحلول السلمية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما يمنحها مصداقية كبيرة لدى مختلف الأطراف ويجعلها محل ثقة في إدارة الأزمات، كما أشار إلى أن ملف الهجرة غير النظامية يشكل أحد أبرز محاور هذا التقارب، حيث تسعى الدول الأوروبية، وفي مقدمتها إيطاليا، إلى تعزيز التنسيق مع الجزائر في إطار مقاربة شاملة تعالج جذور الظاهرة، من خلال دعم التنمية في دول المصدر وتعزيز فرص الاستقرار، بدل الاكتفاء بالحلول الأمنية الظرفية.
واعتبر مشتة أنّ الجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وتجربتها في إدارة هذا الملف، قادرة على لعب دور متوازن يجمع بين البعد الإنساني ومتطلبات السيادة الوطنية، بما يحقق نوعا من التوازن في التعاطي مع هذه القضية المعقدة.
وفي السياق ذاته، لفت المتحدث إلى أن زيارة ميلوني تندرج أيضا ضمن مسعى أوسع لتعزيز التعاون الاقتصادي خارج قطاع المحروقات، من خلال تشجيع الاستثمارات الإيطالية في مجالات الصناعة التحويلية، البنية التحتية، النقل، واللوجستيك، فضلا عن دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما من شأنه أن يخلق ديناميكية اقتصادية جديدة قائمة على تبادل المنافع والخبرات، ويساهم في نقل التكنولوجيا وخلق مناصب شغل، بما يتماشى مع توجهات الجزائر نحو تنويع اقتصادها.


