أكّد أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة البليدة والخبير الاقتصادي حكيم بوحرب، أن العلاقات الجزائرية – الإيطالية في المجال الطاقوي أفضت إلى تشكيل محور استراتيجي وازن يجمع بين بلدين يمتلكان خيارات تنموية متعددة في هذا القطاع الحيوي، وأوضح أن الجزائر، بما تزخر به من إمكانيات طاقوية معتبرة، تسعى إلى تعزيز قدراتها الاستثمارية والتوسعية، في وقت تمثل فيه إيطاليا شريكا صناعيا مهما يحتاج إلى مدخلات طاقوية مستقرة.
وسجّل بوحرب أنّ موقع إيطاليا داخل الاتحاد الأوروبي يمنح هذه الشراكة بعدا أوسع، باعتبارها بوابة نحو أحد أبرز الأسواق الطاقوية الواعدة، ما يعزز من مكانة الجزائر كمورد موثوق، ويكرّس – في الوقت ذاته – تقاطع المصالح الاقتصادية بين الطرفين ضمن رؤية قائمة على التكامل والمنفعة المتبادلة.
دينامكية جديدة
ومن جهة أخرى، يوضّح بوحرب أن تنامي مستوى التعاون الطاقوي بين الجزائر وإيطاليا جاء نتيجة جملة من العوامل الإستراتيجية، في مقدمتها، توجه الجزائر نحو تعزيز خياراتها التنموية في قطاع الطاقة عبر شراكات نوعية، تجسد إرادة سياسية واضحة ترمي إلى رفع القدرات الإنتاجية وتوسيع مجالات الاستثمار، إلى جانب تنويع الشركاء بما يضمن مرونة أكبر في مواجهة التحولات الدولية.
وقال محدثنا إنّ هذا التوجه تجسّد ميدانيا من خلال مشاريع مشتركة مع الجانب الإيطالي، بالتوازي مع انفتاح الجزائر على شركاء أوروبيين آخرين، على غرار إسبانيا وسلوفينيا والبرتغال، في إطار رؤية تقوم على توسيع شبكة التعاون وتعزيز الحضور في الأسواق الطاقوية، كما لعبت الاستثمارات التي باشرتها سوناطراك دورا محوريا في دعم هذا المسار، من خلال تكثيف نشاطها الخارجي وتطوير أدوات الشراكة، بما يعكس ديناميكية جديدة في الدبلوماسية الطاقوية الجزائرية على الصعيد الدولي.
ولم يخف البروفيسور بوحرب، في قراءته لراهن العلاقات الجزائرية – الإيطالية، أن الارتفاع الملحوظ في منسوب التعاون الطاقوي بين البلدين كان له أثر بالغ في فتح آفاق أوسع للتقارب مع دول الجنوب، انطلاقا من مقاربة تقوم على مبدأ المصالح المتبادلة، وذهب إلى أن هذا المسار يعكس توجها جزائريا واضحا نحو إعادة التموقع بالساحة الدولية كفاعل مؤثر في صياغة القرار الطاقوي على المستويين الإقليمي أو العالمي.
تعاون تاريخي متجذّر
وذكر بوحرب أنّ هذا الطموح الاستراتيجي يستند إلى خيار مدروس يقوم على تعزيز الشراكات الأجنبية النوعية، خاصة مع الدول التي تمتلك تكنولوجيات متقدمة في مجالات الاستخراج والاستثمار الطاقوي، وهو ما يجعل إيطاليا شريكا محوريا في هذا التوجه، ويؤكد بوحرب أن العلاقات الجزائرية-الإيطالية تعد اليوم نموذجا متقدما لشراكة تاريخية متجذرة، تقوم على أسس التعاون والتكامل، تدفعها برؤية براغماتية للسياسات الخارجية، فالمقاربة التي تعتمدها روما – يقول المتحدث – ترتكز على مبدأ “رابح – رابح”، بما يعزز فرص بناء علاقات متوازنة مع دول الجنوب، واستطاعت الجزائر وإيطاليا تأسيس علاقة قائمة على الاحترام المتبادل والواقعية السياسية، لترتقي علاقتهما إلى مستوى متقدم من التعاون الطاقوي، يعكس انسجاما في الرؤى وتكاملا في المصالح الإستراتيجية.
ويضيف بوحرب أنّ من أبرز العوامل التي أسهمت في تعزيز مستويات التعاون الطاقوي بين الجزائر وإيطاليا، الموثوقية التي اكتسبتها الجزائر كمورد طاقوي ثابت في ظل التحولات الدولية المتسارعة، خاصة مع التقلبات الحادة التي شهدتها الأسواق العالمية.
شراكات عملية واستثمارات ميدانية
ويرى بوحرب أن قوة الجزائر تعكس مقاربة إستراتيجية بعيدة المدى، تقوم على التخطيط المستدام وتحقيق مكاسب طويلة الأمد، بعيدا عن منطق الاستجابة المؤقتة للأزمات، وهو ما يمنح التقارب الطاقوي الجزائري – الإيطالي ضمانات فعلية للاستقرار والاستمرارية، ويعزّز الثقة المتبادلة بين الطرفين ضمن بيئة طاقوية دولية تتسم بعدم اليقين.
ويبرز عامل آخر لا يقل أهمية – يواصل محدثنا – يتمثل في القرب الجغرافي والبنية التحتية المتطورة التي تمتلكها الجزائر، وعلى رأسها أنبوب “ترانسميد” الذي يشكل شريانا حيويا لنقل الغاز نحو إيطاليا، وقد لعب هذا الخط دورا محوريا في تلبية احتياجات السوق الإيطالية، خاصة في ظل تنامي الاعتماد على السوق الفورية، ما يجعل من الجزائر فاعلا أساسيا في ضمان أمن الطاقة الأوروبي وتعزيز مرونته.
وقال بوحرب إن استعراض مسار العلاقات الجزائرية – الإيطالية يقود إلى التأكيد على أنها علاقات تاريخية متجذرة تعود إلى السنوات الأولى لاستقلال الجزائر، حيث برز تقارب مبكر بين سوناطراك وشركة “إيني” الإيطالية، سرعان ما ترجم إلى شراكات عملية واستثمارات ميدانية، وقد تعزز هذا المسار بشكل لافت منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ليأخذ طابعا استراتيجيا ممتدا عبر عقود، شمل مشاريع متعددة في مجالات الاستكشاف والإنتاج ونقل الطاقة.
وكان شهر جوان 2025 محطة مفصلية، حيث تمّ التوصل إلى اتفاقات جديدة بين سوناطراك و«إيني” لتطوير إنتاج المحروقات بحوض بركين، باستثمارات قدرت آنذاك بنحو 1.3 مليار دولار، ما يعكس ديناميكية الشراكة وقدرتها على التوسع والتجدد.
ولا يقتصر التعاون بين البلدين على الطاقات التقليدية بحسب الخبير بوحرب، بل يمتد ليشمل رهانات الطاقة المستقبلية، وعلى رأسها مشروع “ساوث كوريدور” للهيدروجين الأخضر، الذي تراهن عليه الجزائر لتغطية نحو 10 بالمائة من احتياجات الاتحاد الأوروبي مستقبلا، وهو ما يعكس سعي الجزائر إلى التموقع ضمن الفاعلين الرئيسيين في سوق الطاقات النظيفة، من خلال تطوير مشاريع الطاقة الشمسية والاستثمار في تكنولوجيات الهيدروجين الأخضر، بما يتماشى مع المعايير الأوروبية المتعلقة بخفض البصمة الكربونية.وفي الإطار ذاته، قال بوحرب: برزت مشاريع جديدة تتعلق بالاستكشاف البحري Offshore، حيث تم توقيع عقود للتنقيب في المناطق البحرية، في خطوة تعكس توجه الجزائر نحو تنويع مصادرها الطاقوية واكتشاف حقول جديدة خارج الأطر التقليدية.
وقال الخبير إنّ التعاون الجزائري – الإيطالي لم يعد مقتصرا على تلبية احتياجات آنية، بل أصبح شراكة متعددة الأبعاد، تمتد من الطاقات التقليدية إلى الطاقات المتجددة، ومن الاستغلال البري إلى الاستكشاف البحري، في إطار رؤية إستراتيجية تستهدف تعزيز الأمن الطاقوي وتنويع مصادره على المدى الطويل.
مشاريع هيكلية واعدة
وخلص البروفيسور حكيم بوحرب في قراءته لواقع العلاقات الثنائية، إلى أن الجزائر فاعل محوري في معادلة الأمن الطاقوي الإيطالي، حيث تغطي نحو 33 بالمائة من إجمالي إمدادات الغاز إلى إيطاليا، مع تقديرات ترجح ارتفاع هذه النسبة إلى حدود 37 بالمائة، سواء عبر أنبوب “ترانسميد” أو من خلال شحنات الغاز الطبيعي المسال، كما أشار إلى أن الجزائر وفرت ما يقارب 21 بالمائة من احتياجات إيطاليا من الغاز المسال خلال سنة 2025، وهو ما يعكس ثقلها المتزايد كمورد استراتيجي موثوق في السوق الأوروبية.
وأكّد الخبير بوحرب أن مسار التعاون بين البلدين فتح المجال أمام آفاق اقتصادية أوسع تشمل مشاريع هيكلية واستثمارات إستراتيجية، تتقاطع فيها المصالح التنموية للطرفين، رغم بقاء القطاع الطاقوي في صدارة هذا التعاون، إلا أن ديناميكية الشراكة الجزائرية-الإيطالية تعكس توجها نحو بناء محور اقتصادي متكامل، قادر على التكيف مع التحولات العالمية واغتنام الفرص الجديدة، ويبرز هذا المحور – حسب بوحرب – كأحد النماذج الصاعدة في فضاء التعاون المتوسطي، بما يحمله من إمكانات واعدة لإعادة تشكيل موازين الطاقة والاقتصاد، خاصة في ظل انفتاح البلدين على إطلاق مشاريع طاقوية هيكلية جديدة، تعزز من تموقعهما المشترك وتمنحهما أدوارا أكثر تأثيرا في المشهدين الإقليمي والدولي.



