يعتبر البروفيسور العيد جلولي أنّ القرصنة الفكرية تؤثّر تأثيرا عميقا وسلبيا على الإبداع والاستثمار في الصناعات الثقافية، مشيرا إلى أنّه على صعيد الابداع تؤدي إلى إحباط المبدعين، لأن سرقة الجهد الفكري وعدم مكافأة صاحبه ماديا أو معنويا، يجعل المبدع يفقد الحافز على الاستمرار، ويشعر بأن تعبه ينهب بلا مقابل.
أشار البروفيسور جلولي أنّ القرصنة الفكرية تؤدّي إلى تراجع جودة الإنتاج، فغياب الحماية يجعل المبدع يميل إلى أعمال سريعة أو سطحية، بدل المشاريع العميقة التي تتطلّب وقتا وجهدا، كما تؤدي إلى قتل روح الابتكار، مؤكدا أن الخوف من السرقة يدفع كثيرين إلى كتمان أفكارهم أو التوقف عن تطويرها.
وأوضح – على مستوى الاستثمار – بأنّ القرصنة الفكرية تؤدي إلى عزوف المستثمرين، ذلك أنّ المستثمر يبحث عن بيئة آمنة تضمن عائدا على الاستثمار، بينما انتشار القرصنة يجعل السوق غير موثوق، فيتراجع التمويل.
ومع ذلك، قال البروفيسور جلولي إنّه يمكن للصّناعات الثقافية التكيف مع تحديات القرصنة الفكرية، عبر مقاربة شاملة تجمع بين الحماية القانونية، والابتكار الاقتصادي، والتكيف التكنولوجي، وبناء الوعي الثقافي، فمن ناحية التكيف القانوني والمؤسّسي يجب تحديث تشريعات الملكية الفكرية بما يواكب التحول الرقمي وسرعة التداول عبر الإنترنت، وتفعيل آليات الردع دون المساس بحرية الإبداع، وحماية المبدع الصغير عبر تبسيط إجراءات التسجيل وحفظ الحقوق، وتنويع مصادر الدخل، وكذلك مراعاة ثمن البضاعة أو المنتج بحيث يراعي القدرة الشرائية ويقلّل إغراء القرصنة، وأما التكيف التكنولوجي، يقول “فهو ضرورة لا يُستغنى عنها من خلال استخدام تقنيات الحماية الرقمية، والتتبع، والاستفادة من المنصات الرقمية الشرعية التي توفر محتوى عالي الجودة وسهل الوصول، وتوظيف الذكاء الاصطناعي لرصد النسخ غير القانونية وتتبع مصادر التسريب”، وأيضا “التركيز على وعي الجمهور من حيث الثقافة والاستهلاك وغرس أخلاقيات الاستخدام الرقمي انطلاقا من المدرسة والجامعة، وأخيرا خلق تحالفات بين المنتجين والمنصات لمواجهة القرصنة بشكل جماعي، والتعاون الدولي لأن القرصنة عابرة للحدود، وإيجاد حلول مؤسساتية كالدعم الحكومي للصناعات الثقافية الناشئة في البيئات الهشة”.
وتتمثّل الاستراتيجيات الكفيلة بمكافحة القرصنة الفكرية وحماية الحقوق الفكرية كما حدّدها المتحدّث، في حزمة متكاملة تجمع بين القانون، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والثقافة. ومن هذه الاستراتيجيات، الاستراتيجيات القانونية والتشريعية كتحديث قوانين الملكية الفكرية لتشمل الفضاء الرقمي والمنصّات الإلكترونية، والتطبيق الصارم للعقوبات على القرصنة التجارية والمنظمة، وأيضا الاستراتيجيات التكنولوجية، كأنظمة الحماية الرقمية لمنع النسخ غير المشروع، والعلامات المائية الرقمية لتتبع مصدر المحتوى المسرب، وتوظيف الذكاء الاصطناعي لرصد المحتوى المقرصن على الشبكات والمنصات.
بالإضافة إلى الاستراتيجيات الاقتصادية كتوفير بدائل قانونية ميسّرة وبأسعار مناسبة، وإيجاد نماذج الاشتراك بدل الشراء الفردي لتقليل الإغراء بالقرصنة، والدعم الحكومي للصناعات الثقافية المتضررة.
وأخيرا يقول: الاستراتيجيات الثقافية والتربوية والمتمثلة في نشر ثقافة احترام الملكية الفكرية في المدرسة والجامعة، وإدماج أخلاقيات الاستخدام الرقمي في المناهج التعليمية، وتشجيع حملات التوعوية الإعلامية التي تبرز أثر القرصنة على المبدعين، وتعزيز الوعي الديني والأخلاقي بأنّ سرقة الفكر كسرقة المال.
وعن سبل حماية الصناعات الثقافية لحقوقها الفكرية في العالم الرقمي، فأبرز محدّثنا أنّه يمكن ذلك عبر استراتيجية متكاملة تمزج بين التكنولوجيا، والقانون، ونماذج الأعمال، وبناء الوعي، لأنّ الفضاء الرقمي سريع الانتشار وصعب الضبط إن عولج بأداة واحدة فقط “لهذا وجب التركيز على الحماية التكنولوجية، والحماية القانونية والرقمية، وتطوير نماذج اقتصادية بديلة، مثل خلق منصات قانونية سهلة الوصول وبأسعار مناسبة”.




