أكّد مدير الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، سمير ثعالبي، أنّ القرصنة الفكرية تُعد من أبرز التحديات التي تواجه تطوير الصناعات الثقافية والإبداعية في الجزائر، مشيرا إلى أنّها تؤدي إلى فقدان الإيرادات لدى المؤلفين والفنانين والمنتجين، ما يضعف المنظومة الثقافية ويحد من القدرة على الاستثمار في مشاريع إبداعية جديدة.
أوضح سمير ثعالبي في تصريح خصّ به “الشعب”، أنّ حماية حقوق المؤلف لا تقتصر على بعدها الاقتصادي فقط، بل تمثّل رافعة استراتيجية لدعم الإبداع وتعزيز التنافسية الثقافية وتأثير الجزائر في المجال الإبداعي.
وفي هذا السياق، أفاد المتحدّث بأنّ الديوان أجرى تشخيصا شاملا للصناعات الثقافية، شمل تحليل تدفقات الحقوق وتحديد القطاعات الأكثر تعرضا للقرصنة، وهو ما ساهم في وضع خطة عمل محددة تهدف إلى حماية المبدعين، وتشجيع الاستثمار في الإنتاج الثقافي.
كما أشار إلى سعي الديوان لرفع كفاءة موظفيه والفاعلين في القطاع الثقافي، عبر إنشاء أكاديمية حقوق المؤلف والصناعات الإبداعية، المقرر إطلاقها خلال سنة 2026 بعد إعداد دام عامين، وذلك لتأهيل محترفين قادرين على إدارة وتثمين وتأمين الحقوق الفكرية في العصر الرقمي.
وحول كيفية تكيّف الصناعات الثقافية مع تحديات القرصنة، أوضح ثعالبي أن الأمر يتطلب الجمع بين الابتكار والتكنولوجيا والتنظيم المؤسسي، لافتا إلى أن الديوان يوفّر أدوات متطورة لإدارة الحقوق، أبرزها نظام “ONDA Connect”، الذي يمكّن المبدعين من متابعة استغلال أعمالهم في الوقت الفعلي، وضمان تعويض مالي شفّاف وآمن. كما يدعم الديوان تطوير مهارات الفاعلين الثقافيين من خلال برامج تدريبية وورش عمل، تهدف إلى تعزيز فهم التحديات الرقمية وحماية الأعمال، وابتكار نماذج اقتصادية جديدة تتلاءم مع البيئة الرقمية.
وأضاف أنّ حماية الحقوق بفعالية، تستلزم تفعيل التعاون بين مختلف القطاعات، عبر التنسيق مع وزارة الاتصال، والمحافظة السامية للرقمنة، وسلطة ضبط السمعي البصري، إلى جانب المنصات الرقمية الكبرى وموزعي الأعمال الرقمية، بما يضمن صون الحقوق عبر مختلف القنوات والفروع الثقافية.
وبخصوص الاستراتيجيات المعتمدة لمكافحة القرصنة الفكرية، أكّد المتحدث أنّ الديوان ينتهج مقاربة شاملة ومتعددة الأبعاد، تقوم على تعزيز الإطار القانوني والتنظيمي من خلال تحديث النصوص والتشريعات، بما يتماشى مع تحديات العصر الرقمي، إلى جانب تكثيف عمليات المراقبة والرقابة عبر شراكات مع الأجهزة الأمنية والجمارك والدرك للكشف عن الانتهاكات ومكافحتها بفعالية.
كما أشار إلى أهمية الشراكات الدولية والتعاون القاري، للاستفادة من أفضل الممارسات وحماية الأعمال الجزائرية عالميا، موضحا أن الديوان يعمل على إنشاء اتحاد إفريقي لحقوق المؤلف لتوحيد الجهود وتعزيز التأثير الثقافي والاقتصادي على مستوى القارة.
وفي الجانب التوعوي، شدّد على ضرورة نشر ثقافة احترام حقوق المؤلف لدى الجمهور والمهنيّين، من خلال برامج التوعية والتكوين، التي تضمن إدراك مختلف الفاعلين لالتزاماتهم ومسؤولياتهم، مؤكّدا أن هذه الإستراتيجية تجمع بين التكنولوجيا والحكامة والدبلوماسية الثقافية، مع دمج مفهوم الجيوسياسة لحقوق المؤلف لتعظيم أثر عمل الديوان وحماية النفوذ الثقافي والاقتصادي للجزائر وشركائها الأفارقة.
وفي ما يخص حماية الحقوق الفكرية في العالم الرقمي، أوضح ثعالبي أن التحولات الرقمية تتطلّب حلولا مبتكرة ومرافقة منظمة، مشيرا إلى إطلاق عدة مشاريع ومبادرات هيكلية، تشمل أدوات تقنية متقدمة لمتابعة استغلال الأعمال وحماية تدفقات الإيرادات، واكتشاف الاستخدامات غير القانونية في الوقت المناسب، إلى جانب آليات قانونية متجدّدة تتضمّن عقودا حديثة لترخيص الأعمال الرقمية والنشر الدولي، وبرنامج وساطة يتيح حل النزاعات بطريقة عادلة وفعالة.
وختم المتحدّث بالتأكيد على أنّ الديوان توصّل إلى ضرورة إحداث تحول عميق لمواكبة التطورات الرقمية والعولمة الثقافية، من خلال تطوير آليات العمل وتعزيز كفاءة الفاعلين، وإطلاق أدوات مبتكرة وتوسيع التعاون الدولي والإفريقي، بما يضمن حماية الحقوق وتعظيم القيمة الاقتصادية والثقافية للإبداع الجزائري.




