توافـق سياسي كامــل حــول القضايــا الإقليميـة والدوليــة
شراكــة استراتيجيـــة فـي خضـم التّحـوّلات الجيــو-اقتصاديـــة
الجزائــر ورومــا تؤسّسان شراكتهمــا علــى الاستثمار ونقل التكنولوجيا
في ظل التحولات الجيو-اقتصادية المتسارعة التي يشهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، برزت شراكات دولية جديدة تقوم على المصالح الاستراتيجية طويلة المدى، خاصة في مجالات الطاقة، الأمن الغذائي، والصناعة، حيث برزت الجزائر كأهم شريك اقتصادي مهم في المنطقة المتوسطية، حيث لم تعد العلاقات الاقتصادية بين دول المنطقة تقتصر على التبادل التجاري فقط، بل أصبحت ترتكز على بناء شراكات متكاملة تشمل الاستثمار، نقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعات.
وتأتي الشراكة الجزائرية-الإيطالية في هذا السياق الدولي المتغير، حيث فرضت التوترات الجيو-سياسية، والاضطرابات التي عرفتها سلاسل الإمداد العالمية بعد أحداث بارزة ميزت السنوات الماضية على غرار جائحة كورونا، إلى جانب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وأخيرا التوترات الحالية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وتحولات عميقة في سياسات الطاقة والتجارة في أوروبا.
آفاق الشّراكة..
أكّد البروفيسور مراد كواشي أن آفاق الشراكة الجزائرية-الإيطالية في ظل التحولات الجيو-اقتصادية الدولية تتجه نحو مستوى استراتيجي، حيث تأتي زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجينا ميلوني إلى الجزائر في سياق دولي يتسم بتوترات جيوسياسية وأمنية شديدة، خاصة في ظل ما يحدث في الشرق الأوسط.وأشار كواشي في اتصال مع “الشعب”، إلى الاضطرابات التي شهدتها سلاسل الإمداد العالمية بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما دفع روما إلى السعي إلى تعزيز أمنها الطاقوي عبر شراكات موثوقة، وعلى رأسها الجزائر، وأوضح الخبير الاقتصادي أن هذه المعطيات تحتم على الجزائر وإيطاليا رفع مستوى الشراكة إلى شراكة استراتيجية، وهو ما تحقق فعلا نتيجة الثقة المتبادلة بين البلدين، والتوافق بين قيادتيهما حول العديد من القضايا السياسية، ما يجعل التعاون بينهما تعاونا استراتيجيا طويل المدى وليس تعاونا ظرفيا.
تعاون طويل المدى
وأشار محدّثنا إلى أنّ التعاون الجزائري-الإيطالي يشمل العديد من المحاور، تأتي في مقدمتها محور الطاقة، حيث تصدر الجزائر إلى إيطاليا ما يقارب 20 مليار متر مكعب من الغاز سنويا عبر أنبوب الغاز العابر للمتوسط، الذي تقدر قدرته بنحو 30 مليار متر مكعب، وهو ما يجعل الجزائر تلبي قرابة ثلث احتياجات إيطاليا من الغاز، ما يعزز مكانة الجزائر كممون طاقوي استراتيجي لأوروبا، وهو ما يعكس أهمية الجزائر كممون طاقوي استراتيجي للسوق الإيطالية والأوروبية.
كما تحدّث كواشي عن مشاريع استراتيجية مستقبلية، بينها مشروع إنشاء أنبوب غاز جديد مباشر بين الجزائر وإيطاليا، وهو مشروع استراتيجي سيتم دراسته قريبا، وأوضح المتحدث أن هذه الفكرة المطروحة لإنشاء أنبوب غاز جديد يربط الجزائر مباشرة بإيطاليا، تعتبر مشروعا استراتيجيا، في إطار تعزيز أمن الطاقة الأوروبي وتنويع مصادر التموين، وأضاف أن الشراكة الطاقوية بين البلدين لا تقتصر على الغاز الطبيعي فقط، بل تشمل أيضا مشاريع مستقبلية في مجال الطاقات الجديدة، وعلى رأسها مشروع تصدير الهيدروجين الأخضر إلى إيطاليا والنمسا وألمانيا عبر الممر الجنوبي، بهدف تغطية نحو 40 بالمائة من احتياجات أوروبا من الهيدروجين الأخضر بحلول 2030، وهو مشروع استراتيجي يعكس توجه الجزائر نحو الطاقات النظيفة والانتقال الطاقوي يضاف إليه – حسب كواشي – مشروع تصدير الكهرباء إلى إيطاليا عبر كابل بحري يربط عنابة بجزيرة صقلية، وقال إنه مشروع من شأنه أن يعزز الربط الطاقوي بين الضفتين الشمالية والجنوبية للمتوسط، ويفتح المجال أمام الجزائر لتصدير الكهرباء، خاصة المنتجة من الطاقات المتجددة، نحو السوق الأوروبية.
توطين الصّناعة والفلاحة
من جهة أخرى، أكد البروفيسور كواشي أنّه في إطار الشراكة الاستراتيجية بين الجزائر وإيطاليا، فإن التعاون لا يقتصر على قطاع الطاقة فقط، بل يشمل مشاريع أخرى مهمة، خاصة في إطار تفعيل خطة ماتي الإيطالية، التي تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع دول شمال إفريقيا، والمساهمة في التنمية الاقتصادية من أجل الحد من الهجرة غير الشرعية، من خلال الاستثمار وخلق مناصب شغل في دول الجنوب، كما أوضح كواشي أنه من بين أهم محاور الشراكة خارج قطاع الطاقة، هو توطين الصناعة الميكانيكية في الجزائر، حيث يعد مشروع مصنع “فيات” في الجزائر نموذجا للشراكة الصناعية الجزائرية-الإيطالية، والذي سيساهم في تطوير صناعة السيارات محليا، ورفع نسبة الإدماج الصناعي، اضافة الى خلق مناصب شغل ونقل التكنولوجيا والخبرة الإيطالية الى الجزائر.وفي السياق ذاته، أشار محدثنا إلى مشروع استراتيجي آخر يتعلق بتطوير الفلاحة الصحراوية من خلال الزراعات الاستراتيجية، حيث يتم تجسيد مشروع فلاحي ضخم في الجنوب الجزائري، وبالضبط في ولاية تيميمون، على مساحة تقارب 36 ألف هكتار، بقيمة استثمارية تقدر بحوالي 420 مليون دولار.
شراكة مرشّحة للتّوسّع
ويتوقع كواشي أن الشراكة الجزائرية-الإيطالية مرشحة للتوسع بشكل أكبر خلال السنوات المقبلة، لتشمل قطاعات الصناعة، الفلاحة، السياحة، الطاقات المتجددة، ونقل التكنولوجيا، في ظل التحولات الجيو-اقتصادية العالمية التي تدفع نحو بناء شراكات استراتيجية طويلة المدى بين الدول، كما لفت إلى أنّ هذه الشراكة تتيح للجزائر الاستفادة من الخبرة الايطالية، خاصة في مجال الصناعات الغذائية والميكانيكية، السياحة وقطاعات أخرى، التي تمتلك فيها إيطاليا ميزة تنافسية، إضافة إلى استقطاب أكبر عدد من المؤسسات الايطالية، علما أن عدد المؤسسات الناشطة في الجزائر تقارب 200 مؤسسة ايطالية خاصة في الصناعات الغذائية والميكانيكية.



