يرى محمد حمام، الأستاذ بجامعة الجلفة، أن القرصنة الفكرية تحولت إلى ظاهرة ذات تداعيات عميقة على الاقتصاد الثقافي والأمن المعرفي، وجاءت نتيجة تداخل الوعي بين من يقتنع بمفهوم الملكية الفكرية ومن لا يقتنع بها، إلى جانب عقلية الربح السريع وضعف الكشف الرقمي. وتشير تقارير المنظمة العالمية للملكية الفكرية إلى أنّ دول العالم تكبّدت خسائر كبيرة جراء القرصنة، خاصة في مجالات السينما، والإنتاج التلفزيوني، والموسيقى.
أشار البروفيسور حمام محمد في حديثه لـ«الشعب”، إلى أن “أولى نتائج القرصنة تصيب المبدع في عمقه بالإحباط الفكري والمعنوي، إذ يرى عمله يدر مداخيل على غيره، بينما يبقى متفرجا على ثمرة جهده. وهذه صدمة تمس الثقة في المحيط المهني وتزعزع روح المبادرة”. وأضاف أنّ انعكاسات القرصنة على الاستثمار الثقافي جسيمة، موضّحا “إذا شاع الانطباع بأن الأفكار تستباح دون رادع، فإن المنتجين يعزفون عن الاستثمار، خاصة في مجالات السينما والإنتاج التلفزيوني التي تتطلب رؤوس أموال معتبرة”.
وفي المجال الأكاديمي، حذّر البروفيسور من أنّ القرصنة العلمية “تشوه الإطار الثقافي وتسيء إلى صورة البحث العلمي دوليا، وتبث إشعاعا سلبيا بأن هذه الصناعات لا تنجح، بينما السبب الحقيقي هو الاعتداء على الفكرة أو أحد عناصرها الأساسية”.
وشدّد الأستاذ حمام على أنّ المعالجة يجب أن تكون مزدوجة، قانونية وتقنية، فمن الجانب القانوني، دعا إلى “تسريع الإجراءات القضائية فور إثبات حالات القرصنة، وتفعيل بروتوكولات الاتفاقيات الدولية، لاسيما اتفاقية تريبس، بما يضمن متابعة الانتهاكات عبر الحدود ومساءلة المنصات الرقمية فور وقوع الاعتداء”. أما تقنيا، فأكّد على “ضرورة الاستثمار في أدوات الحماية الحديثة”، موضّحا بقوله “التكيف مع البيئة الرقمية لم يعد خيارا، بل ضرورة حتمية من خلال أنظمة التتبع الرقمي، وتقنيات البلوكشين لإثبات الملكية الزمنية، والخوارزميات الكاشفة للتشابه النصي”. كما أكّد الأستاذ أن “المنظومة القانونية الدولية كرّست حماية المصنفات الأدبية والفنية، من خلال اتفاقية “برن” التي تؤطّر مبدأ حماية الحقوق الأدبية والفنية”. وأضاف أن “التقارير الصادرة عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية توضّح حجم الخسائر التي تتكبدها الصناعات الإبداعية عالميا بسبب انتهاك الحقوق”. وذكر أن منصات عالمية مثل “YouTube” اعتمدت أنظمة متقدمة لرصد المحتوى المكرر (Content ID) حماية لحقوق الناشرين”. ودعا البروفيسور حمام إلى “التكامل مع شركات الحماية الرقمية وتعزيز قدرات الكشف الإلكتروني المباشر، والانتقال من المعالجة الظرفية إلى سياسة وطنية متكاملة لمكافحة القرصنة، تقوم على: إدراج مقياس الملكية الفكرية كمقرر إجباري في مختلف التخصصات الجامعية. تشكيل لجان تقنية لرصد السرقات العلمية وإبلاغ المتضررين. تحديث خطط التعاون بين الجامعات والمؤسسات الثقافية والمراكز التقنية. تتبع المواقع المقرصنة قانونيا وتقنيا والحد من نشاطها. انشاء صندوق لتعويض المبدعين المتضررين وتحفيزهم لمواصلة الإبداع”.
وأشار إلى “الدور الحيوي الذي يقوم به الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة”. واعتبر أن “الجهود القائمة تحتاج إلى تطوير مستمر لمواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، مع تشديد الرقابة على الاقتباس غير المرخص والنقل غير المشروع والاستحواذ على أعمال أكاديمية أخرى”.
وأكّد أنّ “هذه الإجراءات أصبحت ضرورة لحماية الملكية الفكرية الأكاديمية، وتحسين صورة البحث العلمي ورفع تصنيفه عالميا”. كما شدّد على “أهمية التحري في عنصري القصد والنية في حالات القرصنة، باعتبارها مساسا مباشرا بالأمن المعرفي”.




