تحريــر “أبـي الفنون” مـن قيـود الترفيـه التجــاري والمؤسـسات الجامـدة
كانت رسالة اليوم العالمي للمسرح لهذا العام، بقلم وليم دافو، مناسبة للتذكير بالقيمة الفريدة للمسرح كفضاء إنساني واجتماعي وثقافي، وللتأكيد على أهميته في مواجهة تحديات العصر الرقمي والتكنولوجي الذي بات يهدّد التواصل الإنساني العميق. وفي رسالته، يذكّر دافو بأننا كائنات اجتماعية مهيّأة بيولوجيا للتفاعل مع العالم، وباستطاعة المسرح “بوصفه فنا شاملا، أن يجعلنا نرى ما كان، وما هو كائن، وما يمكن أن يكون عليه عالمنا”.
بمناسبة اليوم العالمي للمسرح، الذي يصادف السابع والعشرين مارس من كل عام، نشرت “الهيئة الدولية للمسرح” رسالة هذا العام، وقد أوكِلت كتابتُها للمسرحي والسينمائي (الأمريكي/الإيطالي) الشهير وليم دافو الذي يشغل حاليا منصب المدير الفني لبيينالي المسرح في فينيسيا (البندقية)، “هذا الموقع، وإلى جانب ما يشهده العالم من أحداث ورغبتي في العودة إلى العمل المسرحي، أسهمت جميعها في ترسيخ إيماني بالقوة الإيجابية الفريدة للمسرح وأهميته”، يقول دافو.
تقوم الرسالة على محور مركزي يتمثل في التأكيد على القيمة الفريدة للمسرح كفضاء إنساني واجتماعي وثقافي، ومواجهة تحديات العصر الرقمي والتكنولوجي الذي يهدّد التواصل الإنساني العميق. وهذه الفكرة الأساسية تتفرع إلى عدة محاور فرعية، تتعلّق بدور المسرح في صقل التجربة الإنسانية، وعلاقته بالجمهور، وأهمية العمل المستمر والتجريب، وكذلك المكانة الاجتماعية والسياسية للمسرح في زمن العزلة الرقمية والانقسامات المجتمعية.
وافتتح دافو رسالته بسرد سيرته المهنية، معترفا أن السينما هي التي قدمته للعالم، ولكنه، بالمقابل، يصرّ على أن أصوله الفنية متجذرة في أبي الفنون، حيث قال: “قدّمتني السينما إلى العالم، لكن جذوري كانت، منذ البداية، مغروسة بعمق في المسرح”، موضحا أن تجربته مع فرقة “مجموعة ووستر” في نيويورك كانت أساس تشكيله الفني. ولا يقتصر هذا التمهيد على ذكر الخبرة الشخصية، بل يسلّط الضوء على أهمية التجربة المسرحية كمختبر فني، حيث يشير إلى العمل المتواصل على العروض: “أحيانا كنّا نمضي سنوات على عرضٍ واحد، ونؤمّن استمراريتنا من خلال جولات لعروض سابقة”، تعبيرا عن التفاني في الإبداع والمثابرة في صناعة الفن المسرحي.
وتتضح في نصّ الرسالة رؤية دافو للمسرح كعملية حية تتشكل بتفاعل مباشر مع الجمهور، حتى لو كان العدد قليلا، يقول: “وجود الجمهور، مهما كان عدده، هو ما يمنح المسرح معناه وحياته”، وهذا التصريح يؤكد أن المسرح ليس مجرد عرض للأداء، بل هو تجربة مشتركة تتطلّب حضورا واعيا من الجمهور والممثل معا، ويؤكد قوة المسرح في خلق جماعات مؤقتة تتشارك في فعل إبداعي حي، تجربة لا يمكن للتكنولوجيا ولا وسائل التواصل الاجتماعي استبدالها.
المسرح ومحاذير التكنولوجيا الحديثة
ويشدّد دافو على أن المسرح يولّد شعورا بالدهشة والاهتمام الذي يصعب على الإنترنت أو الوسائط الرقمية محاكاته: “الإنترنت قادر على طرح الأسئلة، لكنه نادرا ما يخلق ذلك الإحساس بالدهشة الذي يولّده المسرح”. فالتجربة المسرحية تعتمد على تفاعل الحواس واللحظة الفعلية للعرض، وعلى تكوين جماعة مؤقتة من الحاضرين، وهو ما يمنح المسرح قوته الاجتماعية والثقافية.
وعلى صعيد اجتماعي وسياسي، يرى دافو أن المسرح أداة حيوية لفهم الذات والعالم، خصوصا في عصر تتزايد فيه العزلة الرقمية. فهو يميز بين الاستخدام المفيد للتقنيات وبين التحديات التي تفرضها على التواصل الإنساني: “بعض التقنيات يمكن أن تخدمنا، لكن عدم معرفة من يوجد على الطرف الآخر من دائرة التواصل يطرح إشكاليات عميقة”، ما يشير إلى فقدان الإحساس بالدهشة والتفاعل المباشر الذي يخلقه المسرح. كما تركز الرسالة على التفاعل المعقد بين المسرح والتكنولوجيا الحديثة، ويشير دافو إلى استخدامه إياها مع الحرص على تجنب وسائل التواصل الاجتماعي، يقول: “اجتماعيا وسياسيا، لم يكن المسرح يوما أكثر أهمية وحيويّة لِفَهمِنا لأنفُسنا وللعالم من حولنا، أما ما نراه جميعا ونتفادى تسميته فهو التقنيات الجديدة ووسائل التواصل الاجتماعي تعدنا بالتواصل، لكنها في الواقع تسهم في تفكيك العلاقات بين الناس وعزلهم عن بعضهم البعض”. وبذلك، فإن التكنولوجيا لا تعوض عن اللقاء البشري الحقيقي، في وقت المسرح يحتفظ بدوره الفريد كفضاء للحضور الجماعي والتفاعل المباشر.
هذه الفكرة تضع المسرح كضد للنزعة الاستهلاكية والانفصال الذي تثيره الوسائط الرقمية، مؤكدا أنه يطرح أسئلة ويخلق تجربة جماعية مستندة إلى الحواس والتفاعل الواقعي. وفي هذا السياق، يعتبر دافو المسرح أداة مضادة لعزلة العصر الرقمي، مساحة لإعادة الاتصال الإنساني والفهم العميق للذات والآخر، ومكانا يتيح مواجهة أسئلة الواقع بطريقة لم يعد العالم الرقمي قادرا على توفيرها.
ويضيف دافو: “بوصفي مُمثلا وصانعَ مسرح، ما زلتُ أؤمن بقوّةِ المسرح في عالمٍ يزدادُ انقساما وسيطرة وعنفا، يتمثّلُ التحدي أمامنا نحن صنّاعُ المسرح بألاّ نسمح باختزاله، لا كمجرد نشاط تجاري قائم على الترفيه عبر الإلهاء، ولا كمؤسسة جامدة تحفظ التقاليد فحسب، بل أن نُعزّز قدرتهُ على ربط الناس، والمجتمعات، والثقافات، وطرح الأسئلة حول الوجهة التي نتّجهُ إليها”.
ويختتم دافو رسالته بتقديم تصور فلسفي للمسرح بوصفه فضاء للتخيل والتحوّل الاجتماعي والثقافي، قائلا: “كل حاسة هي بوابة للقاء، ومن خلال هذا اللقاء نصل إلى فهم أعمق لمن نكون… يستطيع المسرح، بوصفه فنا شاملا، أن يجعلنا نرى ما كان، وما هو كائن، وما يمكن أن يكون عليه عالمنا”.. وهذا يعيد المسرح إلى مركز التجربة الإنسانية، ليس فقط كوسيلة ترفيه، بل كأداة تعليمية وجمالية وثقافية تسمح بالتحليل النقدي للواقع وبناء رؤى مستقبلية.
في الأخير، يمكن القول إن رسالة اليوم العالمي للمسرح 2026 تؤكد أن المسرح فن حيّ متجذر في التجربة الإنسانية، يتجاوز كونه مجرد نشاط ترفيهي ليصبح وسيلة لفهم الذات والآخر، وساحة لمواجهة تحديات العصر الرقمي، مع الحفاظ على التفاعل الاجتماعي العميق.






