نظم المسرح الجهوي “صراط بومدين” بسعيدة، في إطار إحياء اليوم العالمي للمسرح المصادف لـ27 مارس من كل سنة، سلسلة من النشاطات الثقافية والفنية الهادفة، التي عكست الوعي المتزايد بأهمية صون الذاكرة المسرحية المحلية وتعزيز دور المسرح في المجتمع.
وشهدت الفعالية تنظيم ندوة علمية موسومة بـ«مسرح سعيدة: من الذاكرة الشفوية إلى الأرشفة المؤسساتية”، تحت شعار “ذاكرة تُصان.. ومستقبل يصنع”، نشّطها كل من الدكتور دريس قرقوة، الأستاذ بوبكر سكيني، والفنان بوري مصطفى، من تقديم الاستاذ بختي لخضر.
وفي كلمة الافتتاح، أكد مدير المسرح الجهوي، أمحمد عقيدي، أن هذه الندوة تمثل محطة تأسيسية للانتقال من الذاكرة المبعثرة إلى الذاكرة المؤسسة، معلنا عن إطلاق مبادرة “توثيق وصيانة الذاكرة المسرحية بسعيدة”، انطلاقا من قناعة مفادها أن “ما لا يوثّق يُنسى، وما ينسى يُفقد إلى الأبد”.
وأوضح أن هذه المبادرة تعد “نواة حيّة” لن تكتمل إلا بانخراط جميع الفاعلين، وهو ما تجسّد ميدانيا من خلال إطلاق “ركن الذاكرة” ببهو المسرح، كفضاء مفتوح لاستقبال الوثائق، الصور، الشهادات، وكل ما من شأنه الإسهام في كتابة تاريخ المسرح السعيدي.
كما أبرز أن برنامج الاحتفالية جمع بين البعد الفكري والتوثيقي والاحتفائي، من خلال ندوة علمية تعالج إشكالية الذاكرة المسرحية، معرض خاص بمقتنيات ووثائق مسرحية، تكريم رواد الخشبة، إلى جانب عروض فنية جسدت روح المسرح في أبهى صورها.
وأكد المتدخلون خلال الندوة على ضرورة تأسيس “وحدة توثيق وصيانة الذاكرة المسرحية لمدينة سعيدة”، باعتبارها إطارا علميا وتنظيميا يُعنى بجمع وحفظ وتثمين الرصيد المسرحي المحلي، بدءا من النصوص والصور، مرورا بالشهادات الشفهية، وصولا إلى مختلف الوثائق التي تؤرخ لمسار المسرح في المدينة.
كما أكدوا على ضرورة الشروع الرسمي في إنشاء وحدة التوثيق، وتوفير الإمكانيات المادية والبشرية لضمان استمراريتها، إضافة إلى إدماج مشروع التوثيق ضمن الاستراتيجية الثقافية للمسرح الجهوي، وإطلاق حملات دائمة لجمع الأرشيف المسرحي، اعتماد منهج علمي في الجرد والتصنيف والترميم والحفظ، توثيق الذاكرة الشفهية عبر تسجيل شهادات الرواد. وعلى المستوى الرقمي والعلمي، شددوا على اعتماد الرقمنة كخيار استراتيجي، إنشاء قاعدة بيانات رقمية متاحة للباحثين وتشجيع البحث الأكاديمي في تاريخ المسرح السعيدي.
كما تمّت الدعوة إلى: تطوير شراكات مع الجامعات والمؤسسات الثقافية، إشراك المجتمع المدني في مشروع التوثيق، نقل الذاكرة المسرحية للأجيال الصاعدة عبر التكوين والورشات.وفي جانبها الإنساني، أبرزت الفعالية دور المسرح كوسيلة للتأهيل وإعادة الإدماج، حيث تم تكريم 8 نزيلات من المركز المتخصص للنساء، استفدن من تربصات مسرحية تحت إشراف المديرة الفنية للمسرح الجهوي، نادية راشدي، التي قدمت مداخلة حول “تجربة المسرح داخل المركز المتخصص للنساء”.
كما قدّم الفنان قاسم برزوف شهادة حول تجربته في تأطير فرقة مسرحية بمؤسسة إعادة التربية والتأهيل بعين الحجر، وذلك بحضور ممثلي المؤسسات المعنية.
وتجدر الإشارة إلى أن المسرح الجهوي “صراط بومدين” بسعيدة يواصل تنظيم تربصات تكوينية في مختلف مجالات المسرح، داخل مؤسسات إعادة التربية.
ويذكر أيضا أن الفعالية شهدت أيضا، قراءة رسالة اليوم العالمي للمسرح لسنة 2026 من طرف الفنان عبد اللاهي توفيق، وتكريم فريق مسرحية “البردة والمدّاحة” تقديرا لمساهمتهم في ترقية الفعل المسرحي بالولاية، ناهيك عن عرض المسرحية نفسها، وهي من نص الدكتور اليامين بن تومي، وإخراج عبد الله بهلول، وبمشاركة نخبة من الممثلين: قادم محمد، فتحي مباركي، حميد بوقضوف، وزهير جبار.
وفي ختام التظاهرة، أكد المشاركون أن صون الذاكرة المسرحية ليس مجرد عمل أرشيفي، بل هو التزام ثقافي وأخلاقي يهدف إلى حماية الهوية الفنية للمدينة وضمان استمراريتها، داعين جميع الفاعلين إلى الانخراط في هذا المسار، حتى تبقى ذاكرة مسرح سعيدة حية، متجدّدة، وملهمة للأجيال القادمة.







