الاستثمـار في الــدواء..خطوة إستراتيجية لتبوّئ مقام “صيدلية إفريقيا”
توسيع قدرات الإنتاج الوطني ودعم القطاع الخاص..أولوية قصوى
مشاريع وطنية وشراكات دولية لتوطين تصنيع المواد الفعّالة
في ظل التّحوّلات المتسارعة التي يشهدها العالم على وجه الخصوص الصحة والأمن الغذائي والدوائي، أصبح الأمن الصحي ركيزة أساسية من ركائز السيادة الوطنية والاستقرار الشامل للدولة، حيث تبرز مدى امتلاك منظومة صحية وصيدلانية وطنية قوية، قادرة على حماية المواطن من المخاطر الصحية الطارئة، وتوفير الأدوية الضرورية، وتقليص الاعتماد على الخارج في قطاع بالغ الحساسية والتأثير على الاقتصاد الوطني، وذلك من خلال توسيع قدرات الإنتاج الوطني، وخلق مشاريع استثمارية في هذا المجال، مع فتح شراكات دولية لتوطين تصنيع المواد الفعالة، وهذا كله بهدف تعزيز الأمن الصحي والسيادة الوطنية.
أكّد الخبير الاقتصادي والنائب البرلماني، البروفيسور عبد القادر بريش، أن الأمن الصحي يمثّل رهانا استراتيجيا ومحورا جوهريا من محاور الأمن القومي الشامل، بالنظر إلى الترابط القائم بين الصحة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. وأوضح أن أزمة كوفيد-19 شكلت اختبارا حقيقيا لقدرات الدول، وأثبتت أنّ البلدان التي تمتلك منظومة صحية قوية وصناعة دوائية وطنية متماسكة هي الأكثر قدرة على حماية مواطنيها من الصدمات الصحية والاقتصادية، بل وحتى من التداعيات السياسية للأزمات العالمية.
وأضاف بريش أنّ إدراج الأمن الصحي ضمن أولويات الدولة منذ العهدة الأولى لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، يعكس وعيا استراتيجيا مبكرا بطبيعة التحديات المستقبلية، مذكرا بأن رئيس الجمهورية أكد في تعهّداته 54 أن الجزائر لا يمكن أن تبقى رهينة لاستيراد الأدوية، وأن تحقيق السيادة الدوائية يعد شرطا أساسيا لحماية صحة المواطن، وضمان استقرار الدولة والحفاظ على طابعها الاجتماعي.
اقتصــاد صــيدلاني متكامـل
وأوضح الخبير الاقتصادي أن الجزائر اتخذت خطوة تاريخية بإنشاء وزارة مستقلة للصناعة الصيدلانية، معتبرا أنّ هذا القرار لم يكن إجراء إداريا فحسب، بل خيارا استراتيجيا يعكس إرادة سياسية واضحة في بناء منظومة إنتاج دوائي وطنية قادرة على الاستجابة لحاجيات السوق المحلية، ثم الانتقال تدريجيا نحو التصدير، خصوصا نحو الأسواق الإفريقية التي تمثل امتدادا طبيعيا للجزائر اقتصاديا وسياسيا.
وأشار بريش إلى أن هذا التوجه الاستراتيجي حظي بإشادة دولية، مستدلا بتصريح سفيرة الهند في الجزائر التي أكّدت أنّ الجزائر مرشّحة لتصبح “صيدلية إفريقيا” في المدى المتوسط، وهو تصريح، حسبه، يعكس ثقة الشركاء الدوليين في الإمكانيات الصناعية للجزائر، وفي المسار الإصلاحي الذي انتهجته الدولة في السنوات الأخيرة.
وضمن هذا الإطار، أكّد الخبير عبد القادر بريش، أن الحديث عن الصناعة الصيدلانية الجزائرية لا يمكن أن يتم دون التوقف عند تجربة الشركة العمومية “صيدال”، التي راكمت عبر عقود خبرة تقنية معتبرة وحققت تراكما صناعيا جعلها اليوم في قلب التحول الوطني نحو السيادة الدوائية.
وأضاف أنّ “صيدال” أثبتت قدرتها على تطوير خطوط إنتاج دوائي متقدمة، وعلى الاندماج في دينامكيات الشراكة مع المخابر الأجنبية الكبرى، سواء في مجال نقل التكنولوجيا أو توطين التصنيع، إلى جانب دورها في دعم القطاع الخاص الوطني، وهو ما سمح ببناء نسيج صناعي صيدلاني أكثر تنوعا وتوازنا”.
وفي السياق ذاته، أوضح بريش أنّ الصناعة الصيدلانية في الجزائر تحولت إلى منظومة اقتصادية إستراتيجية تضم مؤسسات عمومية رائدة في الإنتاج والبحث والتطوير، وشراكات مع مخابر عالمية كبرى إلى التوسع في إنتاج المستحضرات الدوائية وتطوير القدرات الصناعية، وتوطين التصنيع، إلى جانب قطاع خاص وطني يشهد توسعا متزايدا في إنتاج المستحضرات الدوائية وتطوير القدرات الصناعية.
تغطيـــــة الســّوق بنسـبة 82 بالمائـة
واعتبر الخبير الاقتصادي أنّ بلوغ نسبة تغطية للسوق الوطنية تصل إلى 82 % يعد إنجازا نوعيا يعكس انتقال الجزائر من مرحلة الاكتفاء الجزئي إلى مستوى متقدم من الاستقلال الجزئي في توفير دواء المواطنين.
وأضاف أن هذه النسبة مؤشّر واضح على نجاح الإستراتيجية الوطنية في توطين الإنتاج الدوائي، وتقليص الاعتماد على الواردات، وتحقيق توازن في المخزون الدوائي، فضلا عن الحد من هشاشة سلاسل التوريد العالمية التي كشفت الأزمات الأخيرة عن مدى ضعفها وتأثرها بالعوامل الجيوسياسية والاقتصادية.
غير أنّ محدّثنا نبّه إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق الصناعة التحويلية إلى منطق الصناعة الابتكارية، عبر تطوير القدرات البحثية والتكنولوجية، لا سيما في مجال تصنيع المواد الأولية الدوائية (API)، التي تشكّل العمود الفقري لأي صناعة دوائية متقدمة والتجهيزات الطبية.
وأوضح بريش أنّ الجزائر شهدت خلال السنوات الأخيرة قفزة نوعية في مجالات شديدة الحساسية، من بينها إنتاج اللقاحات محليا، معتبرا أن هذا الإنجاز يضع البلاد في موقع قوة في مواجهة الأوبئة والتهديدات الصحية المستقبلية، ويمنحها هامشا أوسع في اتخاذ القرار الصحي بعيدا عن الضغوط الخارجية، وأضاف أن تطوير إنتاج أدوية حيوية وإستراتيجية، لاسيما تلك الموجهة لعلاج الأمراض المزمنة مثل السكري وأدوية علاج السرطان، يعكس قدرة الصناعة الصيدلانية الوطنية على تلبية احتياجات الطب الحديث، وليس فقط تغطية الطلب التقليدي على الأدوية الأساسية.
وأشار محدثنا إلى أنّ هذا التطور لا يقتصر على الجانب الإنتاجي فقط، بل يشمل أيضا القدرة على ضمان جودة عالية وفق المعايير الدولية المعتمدة، وهو ما يعزّز الثقة في المنتج الوطني، ويمهّد الطريق أمام ولوجه الأسواق الخارجية.
الانتقال إلى اقتصاد المعرفة
واعتبر الخبير الاقتصادي أن التحدي الأكبر المطروح حاليا يتمثل في التحكم في التكنولوجيا والقدرة على إنتاج المادة الفعالة (API)، موضحا أن تحقيق هذا الهدف من شأنه تقليص الاعتماد على الواردات بشكل أكبر، وتجسيد سيادة دوائية حقيقية، وفتح آفاق واسعة للتصدير، خاصة نحو الأسواق الإفريقية، وأضاف أن “صناعة التجهيزات الطبية تعد بدورها جزءا لا يتجزأ من منظومة السيادة الصحية، مؤكّدا أن الأمن الصحي لا يتحقق بالأدوية فقط، بل أيضا بالقدرة على تصنيع الأدوات الطبية، والاختبارات التشخيصية، والأجهزة الضرورية للمستشفيات”.
وفي تحليله السياسي، أكّد الخبير والنائب بالمجلس الشعبي الوطني، أن نجاح الجزائر في الصناعة الصيدلانية يمثّل تحوّلا سياسيا واستراتيجيا عميقا، لأنّ الدواء أصبح أداة سيادة لا تقل أهمية عن الطاقة أو الغذاء، واعتبر أن هذه الصناعة تشكل وسيلة لتعزيز استقلال القرار الوطني، ورافعة لنفوذ الجزائر في إفريقيا عبر تقديم حلول دوائية وخدمات صحية نوعية.
واعتبر محدّثنا أنّ التوجه نحو تصدير الدواء للدول الإفريقية، موقف سياسي يعكس التزام بلادنا بدورها التاريخي في دعم القارة وتطوير تعاون جنوب ــ جنوب.
وخلص بريش إلى التّأكيد على أن الجزائر أصبحت دولة تصنع الدواء وتطوره، وتبني منظومة صحية صناعية قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية، وأشار إلى أن بلوغ نسبة تغطية السوق الوطنية 82 بالمائة، يؤكد أن البلاد تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق السيادة الدوائية والتموقع كفاعل رئيسي في القارة الإفريقية، مجددا الإشارة إلى أن تصريح سفيرة الهند بشأن كون الجزائر مرشحة لتكون “صيدلية إفريقيا” يعكس حجم الرهان والآفاق الواعدة لهذا المسار الاستراتيجي.





