الجـزائر ترفض بشكل قاطع أي سياسات مبنية على الابتزاز
استدعت وزارة الشؤون الخارجية مؤخّرا، القائم بأعمال سفارة فرنسا في الجزائر، لتبليغه احتجاجا رسميا على قرار السلطات الفرنسية القاضي بتمديد الحبس المؤقت لموظف قنصلي جزائري لمدة سنة إضافية، وهو القرار الذي يوضّح استمرار باريس في وضع العصا في العجلة أمام أي محاولات لاستعادة العلاقات الثنائية لوضعها الطبيعي، حيث يعكس هذا الإجراء غياب الإرادة السياسية لتجاوز الخلافات، ويظهر تجاهلا للاتفاقيات والقوانين الدولية المنظمة للعلاقات الدبلوماسية والقنصلية بين الدول.
البيان الأخير للخارجية الجزائرية لفت الانتباه إلى أنّ الموظف القنصلي يخضع لتدبير الحبس المؤقّت منذ شهر أفريل من عام 2025، بالرغم من تمتّعه بوضع يحظى بحماية قانونية واضحة تمليها بنود اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لسنة 1963، علاوة على ذلك، أشار البيان الدبلوماسي إلى المعاملة المشينة التي تعرّض لها هذا الموظف منذ إيداعه السجن، والتي تم الكشف عن تفاصيلها خلال أول زيارة قنصلية سُمح بها مؤخّرا في 17 مارس الجاري، ممّا يطرح تساؤلات جوهرية حول التزام السلطات الفرنسية بضمانات التعاون القضائي والثنائي، واحترام حقوق الأفراد المتمتعين بحصانات تكفلها المواثيق الدولية المتعارف عليها.
وفي سياق متصل، لا يمكن قراءة هذه التجاوزات بمعزل عن المناخ السياسي الداخلي السائد في فرنسا، حيث تتحمّل أطراف سياسية معينة، وعلى رأسها بعض الوجوه المحسوبة على تيار اليمين المتطرف، مسؤولية استمرار تدهور العلاقات الجزائرية الفرنسية، إذ يعمد العديد من هؤلاء السياسيين إلى توظيف الملف الجزائري واستغلاله بشكل منهجي لتحقيق مكاسب انتخابية ومصالح ضيقة، مفضلين هذه المكاسب الشخصية والحزبية على حساب مصلحة الدولة الفرنسية ومصالح شعوب المنطقة ككل، ممّا يجعل العلاقات الثنائية وتطورها رهينة لتجاذبات سياسية داخلية تعيق مسار التعاون وتخلق أزمات متتالية تعرقل العمل الدبلوماسي.
كذلك، تتناقض هذه المقاربة الفرنسية المعرقلة مع التحوّلات الإيجابية التي تشهدها علاقات الجزائر مع شركاء أوروبيين آخرين، وهي حقيقة أدركها بعض الساسة في فرنسا وعبّرت عنها بوضوح السياسية الفرنسية البارزة، سيغولين روايال، في مناسبات عدة، حين أكّدت أنّ الجزائر قد تغيّرت وتطورت بشكل ملحوظ، وأنّ مختلف دول العالم تتجه نحوها للاستثمار وبناء شراكات اقتصادية قوية، منتقدة بذلك تراجع الدبلوماسية الفرنسية وعجزها عن مواكبة هذه التطورات مقارنة بالبراغماتية التي تبديها دول الجوار.
بالإضافة للتصريحات والمواقف التي تتبناها روايال، نجد أنّ الواقع الدبلوماسي والاقتصادي يؤكّد هذا التوجه، فالزيارات المتكرّرة التي قامت بها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى الجزائر، تعكس رغبة واضحة ومتبادلة في تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وفق مبدأ المصالح المشتركة، في نفس السياق، تأتي الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإسباني إلى الجزائر يوم الخميس الماضي، لتؤكّد حرص مدريد على دفع عجلة التعاون الثنائي والعمل المشترك، وهو ما يبرز بشكل جلي العزلة الدبلوماسية التي تفرضها السياسات الفرنسية الحالية على نفسها وتخلّفها عن ركب الشراكات الفاعلة في المنطقة.
كما أنّ حماية الموظفين القنصليين تعتبر ركيزة أساسية لضمان استمرار التواصل الدبلوماسي وحفظ مصالح الدول، ولهذا فإنّ تجاوز فرنسا لمبدأ الحماية القانونية يمثل خرقا لروح التعاون القضائي الثنائي، الذي يُفترض أن يحل مثل هذه القضايا عبر القنوات الرّسمية، وكما أشار بيان الخارجية الجزائرية في ختامه، فإنّ الإصرار على هذا النهج ستكون له حتما عواقب على المسار العادي للعلاقات، ممّا يتطلب من باريس مراجعة سياساتها والابتعاد عن الممارسات التي تخدم أجندات متطرّفة وتضرّ بمستقبل التعاون بين البلدين، ومن الواضح الآن أنّ باريس تسير في طريق اللاعودة.
ويبدو أنّ باريس تسير دون وعي نحو تدمير العلاقات الجزائرية الفرنسية، حيث أنّ مثل هذه الممارسات التي شوّهت صورة فرنسا الدبلوماسية لن تقبل بها الجزائر بأي حال، لاسيما وأنّ الدولة الجزائرية السيدة في قراراتها ترفض قطعا أي سياسات مبنية على الابتزاز، بل تسعى لبناء علاقات جادة وبراغماتية مع كل دول المنطقة، وفق مبدأ الاحترام المتبادل، وفرنسا ليست استثناء من هذه القاعدة وعليها احترام هذا التوجه الصارم إذا ما أرادت التعامل مع الجزائر كشريك حقيقي.
