قطاع الأدوية جزء لا يتجزّأ من السّياسة الوطنية للصّحة والأمن الصحي صلب الأولويات
امتلاك ثالث أكبر مصنع عالميا للأدوية الهرمونية..إرادة سياسية لتوطين إنتاج الأدوية
انتهجت الجزائر الجديدة سياسة استشرافية في مجال توفير الأدوية، من خلال بعث استثمارات كبرى بقطاع الصناعة الصيدلانية سواء في القطاع العمومي أو الخاص، لزيادة الإنتاج المحلي وتأمين احتياجاتها الدوائية، بتقديم تسهيلات وتحفيزات للمستثمرين، فتمكّنت من تقليص فاتورة استيراد الأدوية إلى 800 مليون دولار، إضافة إلى رفع ميزانية الصّيدلية المركزية واستحداث مرصد لليقظة من أجل ضمان توزيع فعّال للأدوية، واحتواء الأزمات الصحية حسب الخطورة والأولوية، ليبقى تحقيق الأمن الصحي للبلاد محورا للسّيادة الوطنية.
أوضح المحلّل الاقتصادي عبد القادر سليماني في اتصال مع “الشعب”، أنّ الصناعات الصيدلانية في الجزائر شهدت خلال السنوات الأخيرة، ديناميكية متسارعة من خلال استثمارات كبرى عرفها القطاع، حيث تمكنت من تلبية حاجياتها من الأدوية بفضل إنتاجها المحلي بنسبة بلغت 82 بالمائة، وتخفيض فاتورة استيراد الأدوية إلى أقل من 800 مليون دولار بعد أن تجاوزت في عهد سابق 2 مليار دولار، وهو ما يعكس حرص الجزائر على تحقيق أمنها الصحي كركيزة أساسية للسيادة الاقتصادية وللأمن القومي.
ضمانة الأمن الصحي القاري
وأشار سليماني إلى أنّ الجزائر تحولت إلى قطب إقليمي وعاصمة إفريقية للصناعات الصيدلانية والصحة، بحيازتها لثلث مصانع الأدوية، أي 250 مصنع جزائري للأدوية من مجموع 630 مصنع موزعين على مستوى القارة الإفريقية، وبعد النجاح الذي عرفه المؤتمر الوزاري الإفريقي للإنتاج المحلي للأدوية وتكنولوجيات الصحة، الذي تم تنظيمه برعاية سامية من طرف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون. وثمّن سليماني بالمناسبة تبني الدول المشاركة في هذا المؤتمر لـ “إعلان الجزائر”، الذي يشكّل أرضية مشتركة لتعزيز السيادة الصحية للقارة، من خلال توحيد الجهود الرامية إلى تطوير الصناعة الصيدلانية الإفريقية وتقليص التبعية للاستيراد، معتبرا ذات الإعلان تتويجا للحوار الجاد والمناقشات المثمرة بين وزراء الصحة والصناعة الصيدلانية وممثلي الهيئات الإفريقية والدولية، المشاركون في هذا المؤتمر، خاصة وأن “إعلان الجزائر” قد تضمّن التزامات عملية تتعلق بتشجيع التصنيع المحلي، نقل التكنولوجيا، تعزيز القدرات التنظيمية، وتسهيل الشراكات بين الدول الإفريقية في مجال الأدوية واللقاحات وغيرها من تكنولوجيات الصحة، بما يسمح ببلورة رؤية موحّدة لتحقيق الأمن الصحي للقارة.
ريادة جزائرية
وفي تحليل للأرقام المذكورة، أكّد سليماني أن ذلك يعكس الأولوية التي يحظى بها قطاع الصناعات الصيدلانية وشبه الصيدلانية، سواء على مستوى مراكز القرار أو على مستوى منصة الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار التي قدّمت كل التسهيلات والدعم للاستثمارات في هذا القطاع الحيوي من حيث التمويلات وتوفير العقار الصناعي، كما تطرق سليماني إلى المرافقة التي تحظى بها الاستثمارات الصيدلانية وشبه الصيدلانية، على مستوى البنوك من خلال منظومة تمويلية تدعم هذا المجال من الاستثمارات خاصة القطاع الخاص. وعلى ذكر الاستثمارات الصيدلانية، عاد سليماني إلى الوراء، خلال زيارة رئيس الجمهورية إلى ولاية قسنطينة وتدشينه لمصنع للأدوية الهرمونية بشراكة جزائرية-ألمانية، وهو يعد ثالث أكبر مصنع بالعالم، ما يعكس توجها جديا للدولة الجزائرية نحو توطين صناعة الدواء محليا، في ظل توفر الإرادة السياسية، الكفاءات من الكوادر الجزائرية، والسوق المحلية والخارجية للدواء.
وأشاد سليماني بالمناسبة، بالإنجازات التي تمكّن من تحقيقها مجمّع صيدال، معتبرا أن تكريس السيادة الصحية لابد أن يتم عبر إنتاج المواد الأولية محليا، وهو ما تعمل عليه السلطات العمومية، بعد أن بلغت واردات الجزائر من المواد الأولية لصناعة الأدوية 3 ملايير دولار، تابع المتحدث، من خلال مجمع “صيدال”، بإطلاقه لعدة مشاريع إستراتيجية لتصنيع المواد الأولية الموجهة أساسا لإنتاج أمراض السرطان والمضادات الحيوية والقلب والسكري، ومضادات الالتهاب والهرمونات، والبراسيتامول، وغيرها علاوة على مشاريع تشارك بها مخابر خاصة ذات قدرات تصنيعية معتبرة.
تعاون دولي وشراكات استراتيجية
وبالنسبة لأمثلة عن الشراكات الاستثمارية في مجال الصناعات الصيدلانية وشبه الصيدلانية، تطرّق سليماني إلى بعض الأمثلة، على غرار مذكرة التفاهم التي تم إمضاؤها بين مجمع صيدال والمجمع السويسري “بيوإكسبرس ثيرابيوتكس”، والتي تهدف إلى تعزيز التعاون الدولي في مجالي الصناعة الصيدلانية والتكنولوجيا الحيوية، لا سيما تبادل الخبرات وتطوير الكفاءات من خلال التكوين في التكنولوجيا الحيوية، مما يسمح للجزائر من خلال رائدها الصيدلاني “صيدال” من توسيع شبكة شراكاته الإستراتيجية مع فاعلين دوليين مرجعيين في قطاع الصناعات الصيدلانية والعلاجات الحيوية. كما أشار سليماني إلى الشراكة الجزائرية مع سلطنة عمان، من أجل إنشاء مصنع تابع لمجمع “صيدال”، بسلطنة عمان، ما يؤكد تمكن الجزائر من امتلاك حصص سوقية، على المستوى القاري والعربي، وتحقيق أرقام تصدير بملايير الدولارات بفضل مجهودات مشتركة بين القطاعين العمومي والخاص الذي أصبح اليوم فاعلا مهما في مجال إنتاج الأدوية، من خلال مخابر خاصة أثبتت كفاءتها في التحكم في التكنولوجيا الحيوية.
تحصين الإنتاج الصّيدلاني..قوانين وإجراءات
بالمقابل، ونظرا للأهمية الإستراتيجية لقطاع الصناعة الدوائية ومرافقته من خلال استحداث وزارة خاصة به وإنشاء الوكالة الوطنية للمواد الصيدلانية، فقد أصبح من الضروري وضع إصلاحات قانونية لحمايته وتطويره – حسب ذات المتحدث – مع ترقية التصدير قصد ضمان استمرارية تموين السوق الوطنية بمواد فعّالة وآمنة تخضع لجميع المعايير المعمول بها دوليا في هذا المجال، وتسمح للقطاع بمسايرة التطورات الحاصلة في الميدان. وبهذا الخصوص، ثمّن سليماني، ما قامت به الحكومة من سن للقوانين بهدف تنظيم النشاط المرتبط بالصناعة الصيدلانية، لاسيما في مجالات الاستيراد والتوزيع والاستغلال والإنتاج، إلى جانب قوانين تنظيمية تدخل في إطار التعاون مع سلطة التنظيم الدولية، مما يسمح بتشجيع التصدير. كما تمّ إنشاء أرضية رقمية وآليات تسيير لمواجهة الضغط الذي قد يحدث عند تسجيل انقطاعات تموين السوق بالأدوية مع تحرير برامج الاستيراد في حينها، وإنشاء مرصد يقظة يسهر على توفير الأدوية، إلى جانب أطر قانونية لتشجيع التجارب العيادية وإعطاء أهمية خاصة للبحث العلمي، مؤكدا أن الهدف الأسمى من اعتماد هذه السياسة التنظيمية هو ترشيد استعمال مختلف أصناف الأدوية من ناحية الوصف والتسعيرة، ما يعكس حرص السلطات العمومية من جانب آخر على احترام قانون المنافسة والالتزامات الدولية للجزائر في هذا المجال لضمان نوعية هذه الصناعة الحيوية، وتمكينها من بلوغ الأهداف التي تصبو إليها.




