تجــاوز المحنــة تطلّـــب الحــزم كمـا استدعـــى الرّأفــة بالمغــرّر بهـم
«قانـون الرحمـة».. قصـة مواجهـة مخلّفـات المأسـاة الوطنيـــة واستئصـال الإرهــاب
يـوم أعلـن الفقيـد تقليص عهدتــه الرّئاسيـــة وتنظيـــم انتخابـات مبّكـــرة والعودة إلـى مسقــط رأســــه
برحيل الرئيس الأسبق اليامين زروال، تطوي الساحة السياسية الجزائرية صفحة أحد أبرز رجالاتها خلال ظرف استثنائي، ممّن ارتبط اسمهم بأعقد وأصعب مراحل تاريخ البلاد الحديث، إذ تولى مقاليد الحكم في ظروف غير عادية.
تبنّى الرجل الوطني، وبكل إخلاص، عقيدة سياسية وأمنية حازمة لخصتها مقولته التي أضحت مرجعا في الخطاب السياسي: «ستخرج الجزائر من محنتها وتقف على رجليها، ويأتي اليوم الذي تأتون فيه طارقين بابنا الواحد تلو الآخر». هذه الكلمات تجاوزت كونها مجرّد استهلاك إعلامي، حيث مثلت خارطة طريق فعلية لإدارة شؤون دولة واجهت عزلة خارجية خانقة وتحديات داخلية هدّدت كيانها.
ولم يكن تصدّره للمشهد وليد صدفة سياسية، بل استند إلى مسار طويل تشكّلت معالمه الأولى بانخراطه المبكّر في صفوف جيش التحرير الوطني إبان الثورة، ليستمر هذا الالتزام عبر تدرّجه في هرم الجيش الوطني الشعبي بعد الاستقلال، وهي المسيرة التي أكسبته إلماما دقيقا بعقيدة الدولة.
وفي سياق متّصل، ومع احتدام الأزمة مطلع التسعينيات ودخول البلاد في نفق الفراغ الدستوري، استدعي زروال لتولي حقيبة الدفاع سنة 1993، ثم رئيسا للدولة في مطلع 1994، ليجد نفسه أمام حتمية تاريخية توجب المزاوجة بين استعادة السلم المفقود والحفاظ على هياكل الجمهورية من التفكّك، عبر استراتيجية تعتمد على المقدرات الذاتية للبلاد بعيدا عن أي تدخّل أجنبي.
مـن الأزمـــة إلـــى بــرّ الأمـان
تطلّبت هذه المرحلة المعقّدة قراءة سياسية تتجاوز الحلول الأحادية الصارمة، وهنا يبرز البعد التحليلي الذي يطرحه أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور منصوري عبد القادر في تصريحه لـ»الشعب»، في مقاربته لشخصية الرئيس الراحل ونظرته لتلك الفترة، حيث يؤكّد أنه بالرغم من الحزم الذي أبداه في محاربة الإرهاب، كانت له نظرة مزدوجة تنطلق من يقين راسخ بأنّ تجاوز المحنة يتطلّب الحزم كما يتطلّب الرأفة بالمغرّر بهم.
وقد ظهر ذلك جليا من خلال سنّه لقانون الرّحمة، الذي كان اللبنة الأساسية وبداية لمسار طويل توّج في النهاية بقانون المصالحة الوطنية، كما أنّ هذا المسار أصبح مرجعا عالميا يُحتذى به، خاصة وأننا نعيش حاليا تجارب دول أخرى دمّرتها الخلافات الداخلية ولم تستطع تجاوز أزماتها. أمّا الجزائر، وبالرغم من اعتمادها على الذات في تجاوز أزمتها، فقد تمكّنت بحجم رجالها، واليامين زروال أحدهم، من العبور، حيث توّج مساره بمصالحة وضعت اسمه كأحد الرّجال الشّرفاء في هذا البلد، الذي قدّم كل شيء من أجل المضي قدما واستتباب الأمن في مختلف ربوع الوطن، والحفاظ على مؤسّسات الدولة ومكوناتها.
علاوة على ذلك، وفي قراءة معمّقة لسياق تلك المرحلة، نتذكّر مقولة المرحوم المجاهد الرئيس الراحل: «ستخرج الجزائر من محنتها وتقف على رجليها، ويأتي اليوم الذي تأتون فيه طارقين بابنا الواحد تلو الآخر»، وهي مقولة أطلقها يوم أغلقت كل الأبواب في وجه الجزائر وتفرّقت الإخوة والأحباب. وهنا كان للجزائر أبناؤها كما كانت في محنتها إبان الثورة التحريرية، حين لم تجد إلا أبناءها الذين ضحّوا وماتوا واستشهدوا ودافعوا وحرّروا هذا الوطن، ولذلك كان زروال من هذه الطينة ليُطلق مقولته الخالدة التي تتجلّى اليوم واقعا ملموسا، فقد قامت الجزائر بعد أن نهضت وسلمت ورجعت أحسن ممّا كانت.
رجــل التحديــات والمقارعـة بالانتخابات
تعود الجزائر اليوم في هذا العالم كقوة سلم وأمان، وكحافظة ورائدة ومدرسة وقوة اقتصادية بشبابها وتلاحمها، تبني داخلها ومستقبلها، وتوّد كل الشعوب خطب ودّها.
كما شاهدنا الجزائر في عهدتها لمجلس الأمن الدولي، كيف كان صوتها وهي تدافع عن قضايا الأمم والشعوب المضطهدة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، لتأتي هذه الشعوب اليوم من مختلف بقاع العالم لتطرق باب ودّها وتخطب صداقتها اعترافا بمكانتها.
وبالعودة إلى الشق المؤسّساتي الداخلي لفترة حكمه، فقد أدرك الراحل ضرورة شرعية الصناديق لتجريد الأطراف المتربّصة من ورقة الفراغ الدستوري، فبادر إلى تنظيم انتخابات رئاسية تعدّدية أواخر 1995، وهي المحطة التي مثلت اختبارا حقيقيا لمدى تمسّك الشارع بخيار الدولة الوطنية. بالإضافة إلى ذلك، قاد ورشة تعديل الدستور سنة 1996 الذي أفرز تغييرات جوهرية في بنية النظام السياسي، أبرزها استحداث مجلس الأمة كغرفة برلمانية ثانية تضمن استقرار التشريع وتمنع الانفراد بالقرار، وهي هندسة مؤسّساتية لا تزال تشكّل العمود الفقري للجمهورية حتى اليوم، وتعدّ من أبرز إنجازاته السياسية.
ولم تكن نهاية المسار الرئاسي لليامين زروال تقلّ استثناء عن بدايته، ففي خريف 1998 أعلن في خطاب للأمة قراره بتقليص عهدته الرئاسية وتنظيم انتخابات مبكّرة، مفضّلا الانسحاب من المشهد السياسي والعودة إلى مسقط رأسه بولاية باتنة، ليعيش بعيدا عن الأضواء والنشاط الرسمي، وهو الخيار الذي أسّس لسابقة في التخلي الطوعي عن السلطة وكرّس صورة رجل الدولة الذي أدى واجبه في ظرف قاهر ثم غادر بصمت، ليبقى اسمه مرتبطا بمرحلة مفصلية صمدت فيها الدولة بفضل تضحيات أبنائها ومقاربات جمعت بين الصرامة في الدفاع عن أركان الجمهورية والمرونة في البحث عن مخارج سياسية تعيد السلم وتؤسّس لجزائر قوية سيدة في قراراتها.





