كان رجلا مؤسساتيا حتى في علاقاته الشخصيـة
أكدت المحامية ليندة سعد العود أنه لا يمكن أن يُذكر اسم «اليامين زروال» في الأوساط الجزائرية إلا وتقترن معه مفاهيم النزاهة، الانضباط، الصرامة، الأنفة، والتواضع الذي صار مضربا للأمثال، كيف لا وهو الرجل الذي قاد الجزائر في أحلك الظروف، كان تجسيدا حيا لقيم الرجل الجزائري الأصيل الذي لم تغيّره المناصب ولا تغرّه السلطة ولا الرتب.
أوضحت سعد العود في شهادة حيّة نقلتها لـ «الشعب»، بكل حزن عكس حزن الأوراس الأشم على ارتقاء ابنها البار إلى الرفيق الأعلى، أن الشخصية الاستثنائية التي عرفتها عن قرب بحكم العلاقة العائلية والصداقة التي تربط والدها بالرئيس الراحل، مستحضرة كل ما كان يُقال عن خصال الرجل من طرفه وحتى من أقاربها الذين عملوا معه، مؤكدة أن «سي اليامين» كان رجلا مؤسساتيا حتى في علاقاته الشخصية، حيث جمع بين النزاهة والصرامة التي عُرف بها في الثكنات وفي رئاسة الجمهورية، فكانت هي ذاتها القواعد التي يُسيّر بها شؤون منزله وعلاقاته مع عائلته وأصدقائه. هذا الانضباط الداخلي هو سر الكاريزما الهادئة التي كان يتمتع بها، فهو رجل كان يزن أموره بميزان الدقة والعدل، سواء مع أصهاره أو مع كبار المسؤولين.
وأكدت المتحدّثة أن زروال قدّم نموذجا فريدا في أخلاق الاختلاف، فحتى عندما كانت تبرز تباينات في وجهات النظر التقنية أو المهنية مع قامات عسكرية أخرى، مثل المرحوم خالد نزار، كان الاحترام المتبادل هو السيّد، فقد كانا رجالات دولة بمعنى الكلمة، حيث لم يمنع الاختلاف في الرأي من اعتراف أحدهما بكفاءة الآخر، وهو ما تجلّى في تنصيب نزار لزروال وزيرا للدفاع في وقت الأزمة الأمنية التي مرت بها البلاد، فكانا مدرسة حقيقية في «تضحية الرجال» الذين لا يحوّلون الخلاف المهني إلى عائق شخصي، حيث تظل مصلحة الدولة هي القاسم المشترك.
وفي نفس المسار العسكري لليامين زروال، أكدت المحامية أن طوال معرفتها بالرجل كانت هناك حقيقة ثابتة ارتبطت به، وهي «أن الرجال هم من يرفعون الرتبة، وليست الرتبة هي من ترفع الرجال»، فكان زروال قريبا جدا من الضباط والجنود، وهذا هو سرّ هيبته، فكان كالأب في الأعياد، فلا تكتمل فرحة العيد لديه إلا بمقاسمة الجنود المرابطين في الجبهات طعامهم، يذبح معهم الأضحية ويشعرهم بأنه واحد منهم، خاصة أولئك البعيدين عن أهاليهم.
وأشارت المتحدّثة في شهادتها إلى أن الراحل لم يكن من القادة الذين ينعزلون في مقر إقامته، وعلى العكس كان ابن الشعب في الميدان، وتجلّى ذلك حتى بعد خروجه من قصر المرادية، فكان يخرج لقضاء مصالحه الشخصية بين الناس، ويشتري لوازمه كأي مواطن بسيط، مؤكدة ثباته على نفس المبدأ، وهذا ليس بغريب عنه.
فقد بقي زروال، حسبها، هو نفسه قبل الرئاسة، أثناءها، وبعدها، إنسانا من طينة أولئك العسكر «القدماء» الذين يقدّسون الواجب ويحتقرون المظاهر، مؤكدة أن ما يراه الناس في فيديوهاته وخرجاته اليومية هو الحقيقة المجرّدة لرجل تطابق ظاهره مع باطنه، ونزاهته لم تكن شعارا بل ممارسة يومية.





