افتتحت المكتبة الرّئيسية للمطالعة العمومية «نور الدين صحراوي» بسكيكدة، فعاليات الدورة الثانية لمسابقة «شاعر سكيكدة»، في تظاهرة أدبية كبرى تزامنت مع إحياء اليوم العربي والعالمي للشّعر، وجمعت بين التنافس الإبداعي والبعد الرمزي المرتبط بالذّاكرة الثّقافية للمدينة.
وجاءت هذه التظاهرة التي أضحت موعدا سنويا بارزا في أجندة النشاط الثقافي المحلي، تحت شعار «من روسيكادا إلى الوطن..قصيدة واحدة»، في دلالة تستحضر العمق التاريخي للمدينة، وتؤكّد استمرارها كحاضنة للإبداع الشعري، حيث لم تقتصر على بعدها التنافسي، بل تحوّلت إلى فضاء جامع للأصوات الشعرية ومنصّة لتلاقي الأجيال والتجارب المختلفة.
وشهد حفل الافتتاح حضورا ثقافيا نوعيا، تقدّمته مديرة الثقافة لولاية سكيكدة، إلى جانب عدد من مسؤولي القطاعات، على غرار التشغيل والصيد البحري والغابات ودار الثقافة، فضلا عن مشاركة مؤثّرة لعائلة الشاعر الرّاحل أحسن خراط، الذي خصّصت له هذه الدورة تكريما لمسيرته، في لفتة تعكس وفاء المدينة لرموزها الثقافية واستمرارية الذاكرة الإبداعية.
كما تميّز الحدث بحضور نخبة من الأساتذة والأدباء والمثقّفين، إلى جانب ضيوف من ولايات عنابة وقسنطينة وقالمة، ما أضفى عليه بعدا وطنيا، وساهم في تعزيز التبادل الثقافي بين مختلف الحسّاسيات الشعرية، في سياق يعكس انفتاح المشهد الأدبي المحلي على محيطه.
وعلى مستوى المنافسة، عرفت المسابقة مشاركة واسعة لـ 36 شاعرا وشاعرة، اعتلوا منصّة الإلقاء وسط تفاعل لافت من جمهور متذوّق، حيث قدّموا نصوصا تنوّعت بين الشّعر العمودي والحر، وتناولت مضامين وطنية ووجدانية وإنسانية، في لوحات إبداعية عكست ثراء التجارب وتعدّد الرؤى الفنية.
وأدار فعاليات هذه التّظاهرة الإعلامي والروائي عبد الرزاق بوكبة، حيث أضفى على الجلسة الافتتاحية سلاسة وتنظيما محكما، فيما تولّت لجنة تحكيم متخصصة تضم أسماء أدبية تقييم النصوص وفق معايير دقيقة تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص بين المشاركين.
وبعد عملية تقييم دقيقة، تمّ اختيار 12 شاعرا وشاعرة للتأهل إلى الدور الثاني، في مؤشّر يعكس مستوى التنافس وجودة النصوص المقدمة، ويبرز في الوقت ذاته بروز أصوات شعرية واعدة قادرة على الإسهام في إثراء الساحة الثقافية مستقبلا.
وفي السياق، احتضنت المكتبة ورشة تكوينية في فن الإلقاء الشعري، أشرف عليها أعضاء لجنة التحكيم، وركّزت على تقنيات الأداء الصوتي والحضور الركحي، ما منح التظاهرة بعدا تأطيريا يعكس توجّهها نحو مرافقة المواهب وتطوير قدراتها، وليس فقط تقييمها.
واختتمت المرحلة الأولى من المسابقة بتسليم شهادات مشاركة للمترشحين، في خطوة تحفيزية تشجّعهم على مواصلة مسارهم الإبداعي، على أن تتواصل المنافسة عبر مراحل تصفوية وصولا إلى التتويج النهائي المرتقب يوم 16 أفريل المقبل.
وتتجاوز أهمية «شاعر سكيكدة» بعدها التنافسي، لتكرّس نفسها كتظاهرة ثقافية متكاملة تسهم في اكتشاف المواهب، وربط الأجيال الشعرية، وإعادة الاعتبار للكلمة كقيمة جمالية وفكرية في المجتمع، في مدينة تستمد خصوصيتها من تداخل الطبيعة والثقافة، حيث تلتقي زرقة البحر بخضرة الجبال لتصنع بيئة خصبة للإبداع.




