آيت موهوب لـ»الشعب»: كان نموذجا للعسكري ورجل الدولة المنضبط
«كمواطن، أعتز كل يوم أكثر فأكثر بانتمائي لهذا الشعب العظيم…» مقولة للراحل الرئيس الأسبق اليامين زروال، الذي حكم الجزائر في مرحلة عز فيها الرجال. حمل الجزائر دوما في قلبه، فحملت اليوم نعشه على الأكتاف.
رحل الرئيس الأسبق، اليامين زروال، الذي عبر دوما عن اعتزازه بانتمائه إلى الجزائر، ومعها المؤسسة العسكرية مدرسته الأولى. مجاهد وطني «فذ» و»نزيه»، كما وصفه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في أحد لقاءاته الدورية بالإعلام الوطني، عندما سئل عن علاقاته به.
غادر السلطة، ليغادر بعدها الحياة، لكنه ترك الأثر والنهج والوصية، ترك جزائر الثقة بين الشعب ومؤسسات دولته، وترك جزائر الشموخ بين أيدي الشرفاء والأوفياء.
شكّل الرئيس زروال لحظة فارقة في زمن كانت فيه الدولة على حافة الانكسار، عشرية سوداء، لم يكن للجزائر سند خلالها غير أبنائها، ولم تكن هناك أبواب للنجاة غير التآخي والحوار ورص الصفوف بين الجيش والشعب.
فارس الأوراس الأشم ترجل، أمس، عن عمر ناهز 85 سنة، قضاه في خدمة الجزائر، تاركا وراءه مقولته التي عاش وناضل لأجلها، فكانت موقفه ومبدأه وعقيدته، كان دوما يقول «الوطن مسؤولية تحمل على الأكتاف.»
الراحل من جيل نشأ على أن الحرية تنتزع ولا تمنح، جمع بين الصرامة الميدانية والبصيرة السياسية، ففي تسعينيات القرن الماضي، عندما كانت الجزائر تعيش أخطر أزماتها الأمنية والسياسية، استدعي الراحل، لينقذ البلاد حيث تقلد مقاليد الحكم سنة 1994، أين كانت مؤسسات الدولة شبه منهارة ودماء الجزائريين تراق، والخوف يسكن البيوت، كانت الشجاعة تسكن قلبه، ليختار طريق إنقاذ الجزائر وتهدئة الوضع بحزم عسكري وانفتاح سياسي، وانتهج سياسة الحوار، معادلة صعبة لمواجهة الإرهاب الدموي وفتح باب العودة لمن أراد العودة لأحضان بلاده، من خلال «قانون الرحمة». واتخذ قرارا تاريخيا بتنظيم أول انتخابات تعددية سنة 1995، فانتخب رئيسا للبلاد، في رسالة واضحة على أن الجزائر دولة مؤسسات لا دولة طوارئ دائمة.
فاز بثقة الشعب، فأعاد للشعب ثقته في مؤسسات دولته، كان رجل دولة سعى إلى العبور بالبلاد إلى بر الأمان. ليغادر بعدها سنة 1999 بعد أن قرر تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة، ويواصل حياته مواطنا بسيطا يحمل الجزائر في قلبه.
بارك الحراك الشعبي الذي طالب بالتغيير. الرئيس اليامين زروال رحل وترك وراءه جزائر كما سعى أن تكون شامخة، آمنة، قوية بمؤسساتها ولحمة جيشها وشعبها.
وعن مسار الرئيس الأسبق للجزائر، قال الكاتب والصحفي مصطفى آيت ميهوب، إن الراحل كان نموذجا للعسكري ورجل الدولة المنضبط، وهو الذي نشأ ببيئة وطنية. وأضاف آيت ميهوب، مستدلا بشهادات رفقائه من المجاهدين، أنه كان دوما تواقا للعمل المسلح ضمن وحدات جيش التحرير الوطني، وكان له ذلك، حيث التحق بالعمل الثوري على الحدود الجزائرية، واستمر به إلى غاية الاستقلال.
ويشهد للراحل، وفق ما أدلى به المتحدث، بالقدرة التنظيمية العالية والروح الوطنية العالية، وهو الذي كان وراء تقلده للعديد من الرتب خلال مساره العسكري، ليصل إلى رتبة فريق. وقال ذات المتحدث، المهتم بالشؤون التاريخية، إنه حسب شهادات رؤسائه ومرؤوسيه أن فقيد الجزائر، اليامين زروال، كان ذا أخلاق دمثة وحسن المعشر، عرف بالاستقامة والانضباط، بالنظر إلى تكوينه العسكري، الذي قاده إلى مرتبة قائد للقوات البرية ثم وزيرا للدفاع، ثم رئيسا للدولة الجزائرية في ندوة الوفاق الوطني، أين كان محل إجماع من طرف الجميع.
من أجل جزائر جامعة لجميع الجزائريين
لبى الرئيس الراحل نداء الوطن، يقول المتحدث، في مرحلة دقيقة، دخلت خلالها البلاد في نفق مظلم من التطرف والعنف والعمل الإرهابي التخريبي، أدخل الجزائر في عزلة دولية ودبلوماسية، استنهض خلالها، وفي فترة وجيزة، الهمم والقوى الوطنية الحية، وتجنيدهم ضد قوى الظلام وضد قوى العنف التي كانت تنهش جسد الأمة، فأنقذ الوطن من مخطط التفرقة والتقسيم.
واستطرد ذات المتحدث قائلا إنه، بالرغم من مواقف الراحل اليامين زروال الصارمة في مواجهة الجماعات المسلحة، كان دائم الدعوة إلى المصالحة والوئام والتآخي بين الجزائريين، فكان وراء مسار المصالحة والسلم، حيث سن «قانون الرحمة» لفائدة من كان يسميهم بـ»المغرر بهم»، مانحا إياهم منفذ نجاة لتدارك خطئهم في حق بلادهم من أجل وطن لجميع الجزائريين. من جهة أخرى، كان دائم السعي للحوار المسؤول مع مسؤولي الحركة المتطرفة المنحلة لتفادي الفتنة.



