قائـد عسكــري.. رجـل دولـة ومثـال التواضـع والتقشّــف والانضباط
مقرّبـون: لــن أرتـاح حتـــى يأتي يــــوم لا تتضمّن التقارير اليومية أي قتيــل جزائــري
«هــؤلاء الذيــن يحاصروننــا اليــوم.. سيأتـون يومـا راكعـــــين هنـا»
في واحدة من أهم الشهادات حول مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر، يكشف العميد المتقاعد أحمد عظيمي جوانب من شخصية الرئيس الراحل اليمين زروال، الرجل الذي قاد البلاد في أصعب سنواتها الأمنية، وتمكن من استعادة هيبة الدولة وإطلاق مسار استعادة السلم، قبل أن يغادر الحكم طواعية في سابقة سياسية نادرة، تاركا صورة رئيس زاهد في السلطة، حريص على المال العام، ومؤمن بأن الوطن أكبر من كل المناصب.
قدم العميد المتقاعد أحمد عظيمي لـ»الشعب» شهادة للتاريخ تبرز شخصية الرئيس الأسبق الراحل اليمين زروال كقائد عسكري ورجل دولة، وكإنسان اتسم بالتواضع والتقشف والانضباط.
أكد عظيمي أن الراحل اليمين زروال، لما كان يقود الأكاديمية العسكرية بشرشال سنوات الثمانينات، «كان رجلا منضبطا جدا لدرجة أنه كان يوميا صباحا وعلى الساعة 7:30 نراه واقفا في ساحة العلم، حيث لم يتغيب يوما عن هذه الوقفة.. وقفة تحية العلم».
وأبرز عظيمي أن الفقيد شديد الاهتمام بالتكوين العسكري، وكان مطلعا على كل صغيرة وكبيرة لما كان يرأس الأكاديمية العسكرية لشرشال سنة 1982، وهو ما يعكس – حسبه – شخصية عسكرية محترفة تؤمن بأن بناء الجيوش يبدأ من التكوين الجيد والانضباط والمعرفة.وأوضح عظيمي في شهادته أن زروال أفاده شخصيا في هذا المجال، «وساهم في إثراء روبورتاج كنت قد أنجزته عن الأكاديمية، لينشر في مجلة الجيش حول التكوين العسكري، حيث لمست فيه اهتماما كبيرا بالتفاصيل وحرصا على تطوير مستوى التكوين داخل المؤسسة العسكرية».
حادثــة تقليده رتبـة مقــدم سنــــة 1997
ومن الذكريات التي بقيت راسخة في ذهنه، يروي عظيمي أنه في سنة 1997، عندما رقي إلى رتبة مقدم، كان اليمين زروال هو من قلده الرتبة بنفسه، وخلال تلك اللحظة، لم يكن زروال رئيسا بعيدا عن الناس، بل كان بسيطا في تعامله، حيث سأله عن عمله وماذا يفعل وعن مسيرته المهنية، في تصرف يعكس اهتمامه بالأفراد وليس فقط بالمناصب.
كما استحضر العميد المتقاعد شهادة صديقه المرحوم عبد القادر طافر، الذي كان وزيرا مستشارا لدى اليمين زروال في رئاسة الجمهورية مكلفا بالشؤون الدبلوماسية.وقد سافر عظيمي معه كثيرا، وكان طافر يحدثه في كل مرة عن تلك المرحلة التي اعتبرها «مرحلة ذهبية» في رئاسة الجمهورية، بسبب طريقة تسيير زروال لشؤون الدولة، وأسلوبه في الحكم، خاصة من حيث التواضع والنزاهة والتقشف.
ومن القصص التي رواها عبد القادر طافر، والتي نقلها عظيمي في شهادته، أن الرئيس زروال احتاج في إحدى المرات إلى قلم، فطلب من سكرتيره أن يحضر له قلما. وعندما أحضر له قلما باهظ الثمن، استغرب زروال ذلك وسأل لماذا يتم شراء هذا النوع الغالي من الأقلام، وقال إن القلم العادي يكفي ما دام يكتب، ولا داعي لإنفاق أموال كبيرة على أشياء بسيطة، خاصة وأن الجزائر كانت تمر بظروف مالية صعبة في تلك الفترة.
هذه الحادثة، رغم بساطتها، تعكس – حسب الشهادة – عقلية رجل دولة كان حريصا على المال العام، ويرفض التبذير حتى في أبسط الأمور.
حادثــة الفنـــدق الفاخر
كما روى حادثة أخرى عندما سافر زروال في زيارة رسمية إلى إحدى الدول، وتم حجز إقامته في فندق فاخر جدا. وعندما وصل إلى الفندق، غضب من ذلك، واعتبر أن الإقامة في فندق فاخر هو تبذير لأموال الدولة، خاصة وأن الجزائر كانت تعيش ظروفا صعبة، وكانت تعاني من أزمة أمنية واقتصادية، إضافة إلى الحصار الدولي غير المعلن عليها آنذاك.وقد حاول مرافقوه إقناعه بأن مكانة الجزائر تفرض أن يقيم رئيس الجمهورية في فندق فاخر، لكنه رد بأن الجزائر تمر بظروف صعبة، ولا يمكن صرف أموال كبيرة على الإقامة، في موقف يعكس مرة أخرى تواضعه وتقشفه وحرصه على صورة المسؤول الذي يشارك شعبه نفس الظروف.
مســـار نضالـي منــذ الثـورة
كما ذكر العميد المتقاعد بمسار اليمين زروال، حيث التحق بجيش التحرير الوطني وعمره 17 سنة فقط، وشارك في الثورة التحريرية. وبعد الاستقلال، التحق بالجيش الوطني الشعبي، وساهم مع رفاقه في تحويل الجيش من جيش حرب عصابات إلى جيش نظامي منظم.
وبعد سنوات من الخدمة، تقاعد زروال وعاد إلى بيته، لكن عندما احتاجته الجزائر في فترة صعبة، تم استدعاؤه لتولي مسؤوليات كبرى، حيث تولى وزارة الدفاع الوطني في ظروف صعبة للغاية، ثم تولى رئاسة الجمهورية في أصعب مرحلة أمنية عرفتها الجزائر.
سنـــوات الـــــدم والألــم
وعن فترة حكمه، قال عظيمي إن الجزائر كانت تمر بمرحلة خطيرة جدا، وكانت البلاد تعيش ما وصفه بـ»سنوات الدم»، حيث كانت تسجل يوميا أعداد كبيرة من القتلى. وكان زروال يتابع يوميا التقارير الأمنية التي تصله حول ما حدث خلال 24 ساعة، وعندما يطلع على عدد القتلى من الجزائريين، كان يتألم كثيرا.
وحسب شهادات المقربين منه، كان يقول إنه لن يرتاح حتى يأتي يوم لا تتضمن فيه التقارير اليومية أي قتيل جزائري، ما يدل على حجم المعاناة النفسية التي كان يعيشها وهو يقود البلاد في تلك الظروف.
وفي تلك المرحلة، أطلق الرئيس الراحل قانون الرحمة، ثم تبعته إجراءات العفو، كما قام بعدة اتصالات مع شخصيات كان بإمكانها المساهمة في حل الأزمة، في محاولة لإيقاف نزيف الدم وإعادة الاستقرار إلى البلاد.
لكن عظيمي يرى أن الطبقة السياسية آنذاك كانت ضعيفة ولم تساعده، وأن الكثير من السياسيين كانوا يبحثون عن مصالحهم الحزبية الضيقة، ولم يقفوا إلى جانب الدولة في تلك المرحلة الحساسة.
تقليـص العهـدة ومغــادرة الحكــم
ومن أبرز المواقف التي تحسب لزروال – حسب الشهادة – أنه رغم انتخابه رئيسا للجمهورية، قرر تقليص عهدته الرئاسية وغادر الحكم طواعية، وهي خطوة نادرة في العالم العربي والإفريقي.
وقد غادر الحكم وعاد إلى بيته المتواضع، وكان يعيش وسط المواطنين بشكل عادي، ويخرج يوميا ويتجول بين الناس.
ويقول عظيمي إن صورته وهو يغادر الحكم بعد أداء اليمين الدستورية للرئيس الذي جاء بعده، وهو مبتسم ومرتاح، بقيت راسخة في الأذهان، لأنه شعر أنه أدى مهمته وغادر وهو مرتاح الضمير.
منقـــذ الجمهوريــة
ويرى عظيمي أن زروال كان من بين الشخصيات التي أنقذت الدولة الجزائرية، لأنه تولى الحكم في وقت كانت فيه الجزائر مهددة في وحدتها، وكانت تواجه الإرهاب، والضغوط الدولية، والحديث عن حقوق الإنسان، وعدم شرعية النظام السياسي وتدخل الجيش في السياسة.
وأكد أن زروال بمجهوداته الجبارة تمكن من استعادة الأمن والاستقرار تدريجيا.
واستحضر عظيمي مقولة الرئيس الأسبق الراحل في إحدى خطاباته، عندما قال: «هؤلاء الذين يحاصروننا اليوم، سيأتون يوما راكعين هنا»، وهو ما يحدث ويحدث فعلا.
وأضاف عظيمي: «الرجل أنقذ الجمهورية وحافظ على وحدة الجزائر، لأن هدف الإرهاب – حسبه – كان تقسيم الجزائر والدخول بها في حرب أهلية طويلة».
كما أشار إلى أن الجيش في تلك الفترة كان مضطرا لنشر وحداته ومفارزه في كل القرى والمداشر لحماية المواطنين، وهو ما أثر على جاهزيته وتكوينه، لكن زروال – حسب رأيه – أعاد للجيش قوته وتنظيمه، وأعاد للدولة هيبتها، وللمجتمع تماسكه.
المشروع الوطنـي المتجــدد
وفي ختام شهادته، قال العميد المتقاعد عظيمي إن اليمين زروال كان دائم الحديث عن «المشروع الوطني المتجدد»، وهو مشروع – حسبه – مستمد من الحركة الوطنية، ومن بيان أول نوفمبر، ومن مسار الدولة الجزائرية بعد الاستقلال، خاصة في مرحلة الرئيس الأسبق هواري بومدين.
وختم بالقول إن اليمين زروال يعد من الرموز الكبيرة في تاريخ الجزائر، وأنه من الضروري أن يهتم المؤرخون والباحثون بدراسة تاريخه وخطاباته وتجربته في الحكم، لأنها مرحلة مهمة من تاريخ الجزائر المعاصر.





