اليامـين زروال.. رجل صـادق مخلـص ضحّـى لأجــل استقـرار الوطــن
الليثــي: الفقيـــــد تـرك إرثا خالدا وسيبقــى حيـا في ذاكـــرة الجزائريـــين
بومعــراف: إيقونـة تاريخيــة في النضـال ونكـران الــذات مـن أجــل الوطـن
مــاروك: قـــدّم للوطـن كــل مـا يملك وعاش بين النــاس في «حــي بــوزوران»
محمـــدي: حمـل همــوم الوطـــــن وفلسطين ظلّت في قلبه حتى آخر رمق
خيّمت أجواء حزن عميقة على الجزائر عامة، وعاصمة الأوراس باتنة خاصة، إثر رحيل الرّئيس الأسبق والمجاهد المواطن ابن الشعب اليمين زروال، في شهر الشّهداء، أسوة برفاق الدرب خلال الثورة المجيدة، وهو المعروف وطنيا وبشهادة مجاهدي ورجالات الثورة وكبار مسؤوليها، بالنزاهة والتواضع والشجاعة في إدارة الأزمات، حيث سيكون أول رئيس للجزائر المستقلة يُدفن خارج العاصمة في مسقط رأسه بمدينة باتنة، التي سادتها أجواء من الصدمة والأسى بين المواطنين الذين تنقلوا بالمئات، أمس، لمقر سكنه بحي بوزوران بقلب مدينة باتنة.
رصدت «الشعب» آراء بعض المواطنين من مختلف الفئات بباتنة، حول رحيل فقيد الجزائر والأمة، المجاهد اليامين زروال، والتي أجمعت على وصفه بـ»الوطني الصادق والمخلص»، و»رجل المواقف الصعبة»، و»المهمات الوطنية الكبرى»، مؤكّدين في تصريحاتهم على تضحيته الكبيرة من أجل استقرار الجزائر خلال العشرية السوداء، ودوره البارز في سنّ ميثاق المصالحة الوطنية.
وفي هذا الصدد، عبّرت الأستاذة بكلية الحقوق بجامعة باتنة 01، فاتن الليثي، عن حزنها العميق لرحيل الرئيس زروال، مؤكّدة أنها شاهدته آخر مرة وكعادته بالقرب من مقرّ إقامته بحي بوزوران بعد اعتزاله السياسة، وهو يصافح المواطنين ويتحدّث معهم كمواطن عادي دون بروتوكولات ولا حراسة تضايقه أو تضايق من حوله، فالمواطنون يمرّون بجانب منزله بشكل طبيعي ويلتقون به ويتبادلون أطراف الحديث دون أي عوائق أو تعقيدات، ما جعل منه مواطنا مخلصا قبل أن يكون رئيسا وقائدا فذا، عاش بين مواطنيه رجلا شهما متواضعا رغم تاريخه السياسي والعسكري الحافل، وسيبقى حيا في قلوبهم وفي الذاكرة الجماعية للجزائريين قاطبة، خاصة وأنّه ترك إرثا سياسيا خالدا، فكلما ذُكر زروال تُذكر موافقه النبيلة على غرار موقفه التاريخي بترك السلطة طواعية، وتجسيده للتداول السلمي عليها، ممّا جعله مثالا يُحتذى به في القيادة والمسؤولية، تضيف المتحدثة.
وبدموع مليئة بالحرقة والأسى، تسرد لنا إحدى السيدات في عمر الستين وهي ابنة شهيد، كيف نزل عليها خبر وفاة الرئيس زروال كالصاعقة، كونها تقطن بالحي الذي يسكن فيه الفقيد معتبرة إياه قدوة وتحبّه بمثابة والدها الشهيد الذي لم تره، مؤكّدة أنه يتمتّع بحب الجميع دون استثناء لمواقفه الإنسانية، متضرّعة إلى الله عز وجل أن يرحمه ويرحم كل أبطال الجزائر وشهدائها ومجاهديها.
بدوره، نعى رئيس المجلس الشعبي الولائي لباتنة، فارس بومعراف، الفقيد بحزن عميق، وبدا التأثر واضحا عليه لفقدان أحد جبال الأوراس الشامخة، وأشار إلى أنّ الجزائر فقدت ابنا بارّا صالحا أحبّ وطنه بكل قوة وصدق وإخلاص، وبادله شعبه نفس الحبّ والتقدير والاحترام، وسيبقى الراحل – يقول بومعراف – أيقونة تاريخية في النضال ونكران الذات من أجل الوطن، وسيظل اسما مقرونا بالجزائر المجاهدة وعلما من أعلامها السامقة، معزّيا كل الجزائريين وأهله وذويه.
كما استحضر الكاتب ورئيس بلدية باتنة الأسبق، عبد الكريم ماروك، مآثر ومواقف الفقيد، معتبرا إياه رمزا خالدا في وجدان الجزائريين ورئيسا قدّم للوطن في أعزّ محنه كل ما يملك، فالتاريخ – بحسب ماروك – سيخلّد اسم زروال، ومواقفه، لأنّ في لحظات الحسم تقاس الرجال وتكتب سيرتهم بما قدّموا وبما قالوا، والتاريخ أنصف زروال لمواقفه، حكم الجزائر في أصعب أوقاتها وفي ظروف حرجة، كان رجلا وطنيا ورئيسا ديمقراطيا مخلصا، يكفيه فخرا يضيف المتحدث أنّه مهندس الوئام الوطني، غادر القصر الرّئاسي في هدوء إلى موطنه الأصلي باتنة، وعاش بسيطا في حي بوزوران إلى أن وافته المنية.
أمّا عمار محمدي (رئيس جمعية)، فأشاد كثيرا بتاريخ الفقيد، فهو – يقول محدثنا – لم ينحز لأي فتنة، بل التزم الوسطية الناجعة التي خدمت البلاد، ورغم أنّ ظهوره نادر في المناسبات، لكنه ظلّ دائما يحمل هموم الوطن وأوجاعه وقضاياه في قلبه، عكستها مواقفه خاصة في آخر ظهور علني له في مسيرات باتنة المناصرة للقضية الفلسطينية والداعمة لغزة، فزروال – بحسب محمدي – حمل موقفا ثابتا بدعمه لغزة، مؤكّدا أنّ القضية الفلسطينية ستبقى عادلة رغم كل الظروف.
وأجمعت كل الآراء التي رصدناها على أنّ فقيد الوطن اليوم كان من رجالات الدولة، في زمنٍ كانت فيه الدولة نفسها على المحك، لذا فكل الجزائريين اليوم سينعون رحيله بحزن وأسى، فهو – بحسب المواطنين في باتنة – واحد من أبناء المؤسسة الوطنية، وجد نفسه في قلب العاصفة خلال تسعينيات دامية كادت تعصف بالدولة، تولى خلالها قيادة البلاد، في لحظة لم يكن فيها المنصب شرفا، بل أمانة ثقيلة وسط النار والدخان، لم يعرف عنه الصّخب، ولا السعي إلى الواجهة، بل عُرف بثلاث خصالٍ قلّ نظيرها، هي الصرامة في حماية الدولة، والتواضع في ممارسة السلطة، والانسحاب بهدوء حين رأى أنّ المرحلة قد انتهت. فهو من فتح باب الحلول السياسية والحوار الوطني، في زمنٍ كان للسلاح صوت أعلى من صوت الكلمات، ثم اتخذ قرارا نادرا في عالم الحكم، بمغادرة السلطة طوعا، مفضّلا تسليم المشعل على التمسّك بالكرسي.
استعدادات حثيثة لجنازة فقيد الجزائر
تمّ أمس، تنصيب خيمة بجانب منزل الفقيد لاستقبال الوفود المعزية، وهو تقليد دأب عليه سكان الولاية أثناء الجنائز، كما تمّ إعداد مقبرة بوزوران القريبة من منزل الرئيس الراحل، حيث تم تخصيص مكان لمواراته الثرى وسط السكان والمواطنين العاديين دون أي استثناءات خاصة، نزولا عند رغبة الراحل، كما صدحت مكبّرات الصوت بمساجد باتنة بآيات من الذكر الحكيم، حدادا على روح المجاهد والرئيس الأسبق اليامين زروال..
من جهة أخرى، سجّل إنزال أمني من مختلف الأسلاك من جيش ودرك وأمن وطني، غير مسبوق وتعزيزات مشدّدة عند مداخل ومخارج مدينة باتنة، حيث يرتقب أن يشهد هذا الأسبوع إقبالا قياسيا للجزائريين من كل ربوع الوطن ومن خارجه، لتقديم واجب العزاء لعائلة الفقيد ومحبيه وذويه بباتنة.





