يقال إنّ الإمبراطورية البريطانية، حين دخلت القرن العشرين، لم تكن هويّتها الثقافيّة الوطنية تقتات على شيء مثلما كانت تقتات على صحيفة التايمز، وعلى الموسوعة البريطانية بريتانيكا. فقبل عام 1900 لم يكن معجم أكسفورد التاريخي قد صدر كاملا، ولم تتأسس هيئة الإذاعة البريطانية، ولم تنطلق سلسلة التاريخ الشهيرة من كامبردج بعد.
تأسّست التايمز اللندنية عام 1769، وكان صاحبها الأوّل، جون والتر، بائعَ كتب في الأصل، وقد بلغت صحيفته فيما بعد من المكانة في عالم الإمبراطورية البريطانية درجة جعلت مؤرخين يجيزون لأنفسهم تشبيه تأثيرها بتأثير الكتاب المقدّس؛ قاصدين في ذلك أنّ حتى من لم يقرأوا الصحيفة أو يتفقوا معها كانوا شديدي الوعي بأهميتها ووزنها. وكان الساسة أنفسهم، وسواهم، مدركين لذلك؛ فقد شبّه الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن قوّةَ التايمز بقوّة نهر المسيسيبي، ووصفها في زمانه بأنها “إحدى أعظم القوى في العالم”.
في نهاية القرن التاسع عشر، ورغم عظم تلك المكانة المعنويّة التي حازتها التايمز، اصطدمت الصحيفة بأزمة مالية مريرة ومربكة، سببها ملابسات مزمنة متعددة لا يتسع المجال لسردها. لكن، وباعتبار هذين العاملين معا؛ أي ثبات رأسمال هذه الصحيفة الرمزي، وتعثّر أدائها وتراجع أرباحها، سيُكتب تاريخٌ جديدٌ لها، تصبح فيه الصحيفة اللندنية قرينا لمشروع إنجليزي عظيم آخر، هو الموسوعة البريطانية، وذلك في توأمةٍ عبقرية لن يكون عرّابها إلا رجل أمريكي، يُدعى هوراس هوبر، له فضلٌ غامر على الصحافة وعلى الصنعة الموسوعية.
تبدأ القصّة عام 1898، حين دخل مكتبَ المدير العام للصحيفة، تشارلز موبيرلي بيل، رجلان قادمان من الولايات المتحدة، خصيصا لزيارة الصحيفة، وهما جيمس كلارك، رجل أعمال ناجح، وشريكه هوراس هوبر.. كان الموعد قد رُتّب بين الثلاثة بوسيلة ناشرٍ إنجليزي، هو المالك لحقوق الطبعة التاسعة الشهيرة من الموسوعة البريطانية، التي لم تكن هي الأخرى، رغم شهرتها بين الناس، قد حققت من المبيعات ما يجعلها مشروعا ذا جدوى كبيرة لأصحابها.
كان العرض الذي طرحه الرجلان على التايمز بسيطا ومغريا، فبعد أن تحصّلا على حقوق إعادة طبع “التاسعة” من صاحب الموسوعة، ولعلمهما بالظروف العسيرة التي تمر بها الصحيفة، قرّرا أن يبحثنا عقدَ شراكة مع التايمز البريطانية، بهدف طباعة نسخة جديدة من الطبعة التاسعة بالتعاون مع الصحيفة وبالاستفادة من سمعتها ومن مساحة الإعلان في صفحاتها، على أن تُباع النسخة بسعر مخفّض وبنظام أقساط مريح للمشتركين في الصحيفة، التي لن تتحمل تكاليف كبيرة، وفقا للاتفاق، بل ستحصل على أجور الإعلانات ونسبة من إيرادات المبيعات عن كلّ نسخة.
كان الوعدٌ كبيرا ومغريا، و«كل وعد يحمل ريبة”، خاصّة أنّ الطبعة التاسعة كانت قد صدرت وبدأ بريقها يخفت، كما أنّ الناس، بحسب موبيرلي بيل، أي عامّة الناس، ليسوا معنيين في تقديره باقتناء موسوعة هي في الواقع قديمة (صدر آخر مجلد منها قبل عقد من الزمن)، وهو ما اعترض عليه هوبر بعبارة شهيرة محفوظة عنه، وتروى في تواريخ الموسوعة البريطانية: “إن لم يكن ثمّة جمهور مهتم بالموسوعة، فسنخلق نحن جمهورا يهتمّ بها”.
بعد أسبوع من التفكير والتشاور، وافقت إدارة التايمز على المقترح، فتأسّس بذلك تحالف غير تقليدي وغير مسبوق، ليس في حقل الصحافة وصنعة الموسوعات فحسب، بل في قطاع النشر وفي مجال الدعاية والتسويق؛ وقد غيّر هذا التحالف، أو قل “الثورة”، مسار الموسوعة البريطانية، مفتتحا “حقبة أمريكيّة”، ستبدّل مصائرها، وتعيد توجيه مسار تطوّرها بوصفها مؤسسة، لتغدو مشروعا أمريكيا بامتياز.
في 23 مارس 1898، وبعد أسبوع واحد فقط من إتمام كافة التفاصيل التعاقدية بين الطرفين، نُشر في صحيفة التايمز إعلان طويل بصياغة جريئة لم تعتدها الصحيفة المحافظة، يدعو القرّاء إلى الحصول على نسخة من الطبعة التاسعة الأثيرة من الموسوعة البريطانية مقابل 14 جنيها بالتقسيط، أو بسعر أقل قليلا عند الدفع نقدا كاملا. أمّا الإغراء الأكبر في الإعلان، فهو الوعد بالحصول على الموسوعة مقدّما، بعد دفع جنيه واحد، ثم إتمام الأقساط الباقية بعد الاستلام، وقد كانت تلك أوّل مرة يستخدم فيها نظام التقسيط هذا في قطاع النّشر.
أمّا الدهاء التسويقي الجديد الذي ظهر لأوّل مرّة على صفحات التايمز، بتوجيه دقيق ومثابر، هو إيهام القرّاء بأنّ ذلك العرض مطروح لفترة محدودة وحسب، وأنّ هذا يعني ضرورة اغتنام الفرصة والاشتراك مع الصحيفة للحصول على الطبعة قبل فوات الأوان، مع منح الأولوية لمن يبادر بالدفع. كما اقترح هوراس الإعلان إلى جانب ذلك عن توفّر نسخ فخمة من تلك الطبعة التاسعة القديمة، بورق فاخر وتجليد ممتاز، بفرق في السعر طبعا، وذلك ليضمن مخاطبة كافة طبقات المجتمع البريطاني آنذاك.
ستخصّص الصحيفة على مدى أسابيع بطولها مساحة فسيحة للحديث عن الموسوعة والترويج لها على صفحاتها. ولم يقتصر ذلك على الإعلانات المباشرة، بل ظهر أيضا على شكل مراجعات موجزة احتفائية تبشّر بالموسوعة وتسعى لإقناع جمهور القرّاء بجدوى امتلاكها، بدعوى أنّها “دليل على التعلّم وعلى الذوق الرفيع”، وأنّها رمز أو شرط لانتساب الإنسان (وأسرته) إلى عالم المعرفة الحديثة، ففي إحدى المواد سيقرأ من يطالع الصحيفة وصوفا للموسوعة من قبل كتّاب يرون أنّ “امتلاك الموسوعة البريطانية يعني أنّ صاحبها حائزٌ على ملَكة تمييز الأدب العظيم عمّا سواه”، كما قال فيها آخر إنّها “كتبت بأقلام أولئك العلماء الممتلئين معرفة وعلما، الذين يروون فيها الحكاية المذهلة للقرن التاسع عشر..وهم أفضل من فهموا تاريخ التطور المشهود في الفنون والعلوم والصناعة لأنه تاريخ هم أسهموا في صناعته..إنهم الرجال الذين حاربوا الجهالة وجلبوا التنوير لجيلهم، وها هم يحكون لنا في الموسوعة عن ذلك الضياء وكيف انتشر”.
وقد فاقت مبيعات الطبعة التاسعة في الولايات المتحدة ما حققته في بريطانيا. لكن المهمّ هنا أنّ جزءا من نجاح الموسوعة البريطانية، في أواخر القرن التاسع عشر، كان مرهونا بتحالفها مع الصحافة، وتحديدا مع التايمز اللندنية التي كانت واعية بقيمتها الرمزيّة والثقافية في المجال العمومي وفي مخيال الناس، وهو وعي تلاقى مع إدراك الأمريكيين، ملّاك حقوق الموسوعة الجدد، للفرصة الكامنة في هذه “العلامة التجارية”.






