تاريخ نضالي وإرادة سياسية يعززان فرص التعاون المشترك
رؤى ومواقف مشتركة بخصوص الالتزام بالشرعية الدولية
أجرى الوزير الأول السيد سيفي غريب، أمس، بقصر الحكومة محادثات ثنائية مع رئيس وزراء جمهورية صربيا السيد جورو ماتسوت الذي يقوم بزيارة عمل إلى الجزائر على رأس وفد رفيع المستوى، لتوسع المحادثات لتشمل وفدي البلدين، حيث استعرضت مختلف أوجه التعاون بين الجزائر وصربيا وتقييم واقعها وبحث سبل تعزيز الشراكة الاقتصادية وتحفيز المبادلات التجارية والاستثمارات البينية.
تشهد العلاقات الثنائية الجزائرية الصربية تطورا مضطردا، وذلك في إطار اللجان المشتركة للتعاون الاقتصادي، حيث تعتبر الجزائر أول شريك تجاري لصربيا في القارة الإفريقية، كما يربط البلدين تعاون دفاعي ومواقف مشتركة من القضايا الدولية يعززها التاريخ المشترك في دعم قضايا التحرر.
وتعكس زيارة العمل التي يقوم بها رئيس وزراء جمهورية صربيا، جورو ماتسوت، على رأس وفد رفيع المستوى، أهمية الزيارة بالنسبة لصربيا من الناحية الاقتصادية خاصة، حيث يرافق الوزير الأول الصربي، وزير التعاون الاقتصادي الدولي نيناد بوبوفيتش وهو أيضا رئيس اللجنة المشتركة مع الجزائر.
يذكر أن الجزائر هي الشريك التجاري الإفريقي الأول لصربيا، وبلغت قيمة التبادل في 2025، 262.8 مليون دولار، وتصدر البروبان والهيليوم والأمونياك صادرات الجزائر إلى صربيا.
آفاق تعاون اقتصادي وتجاري
وتأتي الزيارة في ظروف دولية يطبعها توتر جيو-سياسي ما أثر على تدفق الغاز والنفط إلى باقي دول العالم، بسبب إغلاق مضيق هرمز، وتعتمد صربيا بشكل أساسي على الوقود الأحفوري، حيث يشكل الفحم المصدر الرئيسي لتوليد الكهرباء بنسبة تقارب 70 بالمائة، مع احتياطيات ضخمة تضعها بين الأوائل أوروبيا، إلى جانب الطاقة المائية بنسبة حوالي 25-29، بينما تسعى حالياً إلى زيادة حصة الطاقة المتجددة (الرياح والشمس) إلى 33 بالمائة على الأقل بحلول 2030 لتقليل الانبعاثات والاعتماد على الفحم، غير أنها تعتمد بشكل شبه كلي على الاستيراد لتلبية حاجاتها من النفط والغاز، مع امتلاك احتياطيات محلية محدودة، في حين تعتبر الجزائر موردا رئيسيا وموثوقا للغاز الطبيعي إلى أوروبا، حيث تمثل حصة 22 بالمائة من واردات القارة، وتصدرت إنتاج الغاز في أفريقيا عام 2025 بـ101.84 مليار متر مكعب.
وتحتاج المبادلات التجارية الثنائية دفعا أكبر، يليق بمستوى العلاقات التاريخية، وهو ما أشار إليه الوزير الأول لدى التطرق إلى ترقية التعاون الثنائي، مؤكدا ضرورة العمل المشترك من أجل ترقية المبادلات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، والتي تبقى ضئيلة مقارنة بإمكاناتهما وقدراتهما الهامة في عديد المجالات، منوها بالإصلاحات الاقتصادية التي قادها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، والتي مكنت من تحسين مناخ الأعمال والاستثمار بالجزائر، داعيا الشريك الصربي إلى اغتنام الديناميكية السياسية التي تميز العلاقات بين البلدين، وفرص الاستثمار التي يتيحها السوق الجزائري، من أجل تعزيز استثماراته بالجزائر بما يسهم في ترقية المحتوى الاقتصادي للعلاقات الثنائية والارتقاء بها إلى مستوى العلاقات السياسية التي تجمعهما.
من جهته، أكد رئيس الوزراء الصربي، الأهمية التي يكتسيها تنشيط آليات التعاون الثنائي وعلى رأسها اللجنة المشتركة للتعاون من أجل تجسيد مختلف أنشطة وبرامج التعاون المتفق عليها واستكشاف آفاق جديدة للشراكة، لاسيما في المجالات الاقتصادية والتجارية.
تاريخ نضالي مشترك
ومما يعزز فرص ترقية التعاون الاقتصادي الثنائي بين البلدين، التاريخ النضالي المشترك بينهما، وتوفر إرادة سياسية حقيقية، وفي هذا المقام، أكد الوزير الصربي خلال المحادثات الإرادة السياسية الصادقة لبلاده ورغبتها الأكيدة في تعزيز العلاقات التي تجمع البلدين، مستذكرا التاريخ المشترك الذي يجمع البلدين منذ فترة الثورة الجزائرية وغداة الاستقلال، بوصفه مرتكزا لبناء علاقات قوية في شتى المجالات.
كما أشاد الوزير الأول سيفي غريب، بالروابط التاريخية التي تجمع الجزائر وصربيا والتي تعود إلى دعم جمهورية يوغسلافيا سابقا لثورة التحرير المجيدة ومساندتها لنضال الشعب الجزائري في سبيل استرجاع السيادة الوطنية والتحرر من الاستعمار.
وتجدر الإشارة إلى يوغسلافيا سابقا، كانت من أوائل الداعمين للثورة الجزائرية، وكان الزعيم اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو، من أوائل القادة الأوروبيين الذين اعترفوا بجبهة التحرير الوطني كممثل شرعي للشعب الجزائري، وأول من اعترف بالحكومة المؤقتة سنة 1959، مقدما دعما سياسيا، ماديا، ودبلوماسيا، فضلا عن احتضان اللاجئين الجزائريين وتزويد المجاهدين بالسلاح والتدريب.
كما وثق مصورون يوغوسلافيون أحداث الثورة، وهو ما يحتفى به اليوم في معارض تاريخية، وفي السياق، كان المجلس الشعبي الوطني قد احتضن معرضا وثائقيا، شهر أفريل 2025، تحت عنوان: “عندما توثَّق الثورة الجزائرية بأنامل يوغسلافية”، بتنظيم مشترك مع متحف الفن الإفريقي ببلغراد، في مبادرة رمزية تسلط الضوء على متانة العلاقة التاريخية التي جمعت الجزائر ويوغسلافيا خلال حرب التحرير، تكريماً لواحد من أبرز الإعلاميين اليوغسلاف الذين ناصروا الثورة الجزائرية بقوة القلم والصورة، وهو الصحفي زدرافكو بيتشار الذي وثّق بعدسته لحظات حاسمة من ملحمة الاستقلال، ناقلاً معاناة الشعب الجزائري للعالم بأسره، فكان صوتا ناطقا بعدالة القضية، ومثالا على الالتزام النضالي الذي يتجاوز الحدود، بحسب ما أورده المجلس الشعبي الوطني.
وبالمقابل، تعبر الجزائر عن ضرورة احترام القانون الدولي فيما تعلق بالوحدة الترابية للدول ومنها صربيا، إلى جانب ذلك شاركت الجزائر في أول مؤتمر للحركة في بلغراد عام 1961، وهو المسار الذي قاده هذان الزعيمان الراحلان هواري بومدين وجوزيف بروز تيتو اللذان تبادلا زيارات تاريخية في الستينيات والسبعينيات لتعزيز مكانة ما سمي آنذاك دول العالم الثالث.
وإلى جانب هذا التلاحم التاريخي، تحتضن منطقة “دالي إبراهيم” بالجزائر العاصمة مقبرة عسكرية صربية تضم رفات 324 جندياً صربياً من الحرب العالمية الأولى (1916-1919)، وهي رمز قديم للروابط الإنسانية بين البلدين.
مواقــف متطابقــــة
وخلال تطرقه إلى القضايا الإقليمية والدولية، أبرز رئيس الوزراء الصربي الرؤية المشتركة التي تعكسها مواقف البلدين بخصوص الالتزام بالشرعية الدولية واحترام سيادة الدول وقرارات الأمم المتحدة بوصفها ضمانة للسلم والاستقرار في ربوع العالم.
من جهته، أشاد سيفي غريب بالتوافق الذي يجمع الجزائر وصربيا حول أهمية الالتزام بالشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي، اللذين أمسيا مهددين أكثر من أي وقت مضى بسبب الانتشار المقلق لبؤر التوتر وما يتبعه من تفاقم في الأزمات الإنسانية والاقتصادية، مؤكدا الحاجة الملحة لتضافر الجهود وضرورة التنسيق على المستوى الثنائي وفي المحافل الدولية من أجل المساهمة في الجهود الدولية الرامية إلى إشاعة السلم والاستقرار والتنمية.
تعـــاون دفاعــي
يجمع الجزائر وصربيا تعاون دفاعي مشترك، من خلال اللجنة المشتركة المسؤولة عن الإشراف على التعاون الدفاعي الثنائي بين صربيا والجزائر التي عقدت دورتها العاشرة في مدينة توبتشيدر الصربية، شهر فيفري 2025، حيث تم توقيع محضر الاجتماع العاشر للجنة الصربية الجزائرية المشتركة المعنية بالتعاون الدفاعي وخطة التعاون العسكري الثنائي لعام 2025، كما تم اعتماد تعديلات على النظام الداخلي للجنة، وتشكيل لجنة فرعية جديدة للإعلام والاتصالات، كما نوقشت سبل تحسين التعاون الدفاعي وتعميق الشراكة الاستراتيجية، بحسب ما أوردته وزارة الدفاع الصربية آنذاك.



