لا بد للباحث من مؤهّلات ثقافية مناسبة للعمل في جمع التاريخ الشفوي ودراسته قبل الخوض في العمل الميداني، ومن هذه المؤهلات والشّروط: معرفة شيء ولو قليل عن التاريخ الشفوي، معرفة المصطلحات وإشكاليتها، وأن يكون دقيق الملاحظة يدرك مثلا حين يقفز الراوي عن نقطة ما في الموضوع ويتنقل إلى موضوع آخر، فعلى الباحث أن يعرف النقطة التي قفز عنها الرواية وأسباب تجاهلها وعدم ذكرها، وأن يحسن توجيه الأسئلة للراوي ليأخذ عنه الرواية الدقيقة الشاملة المتسلسلة، وبقاء الحديث عن الموضوع، لعدم هدر الوقت بالأحاديث الجانبية.
ولهذا، فإنّ الرّواية الشّفوية هي معرفة تاريخية إذا كان مضمونها يشكّل شاهدا أو دليلا يبحث عنه المؤرخ، لتعليل ما وقع أو لتدعيم وجهة نظره، وبهذا تصبح الروايات الشفوية مجرد أدلة أو كشوف نفي أو إثبات وجهة نظر معينة.
إنّ الأعمال التاريخية التي استخدمت الرواية الشفوية يجب أن تخضع لمعايير منهجية مهنية، كتلك التي تقوم على أساسها الأعمال التاريخية التقليدية، ولعل من أهمها الفهم النقدي لمن يؤرّخ ومدى وعيه السياسي والثقافي والاجتماعي بالظاهرة التي تدرس، وكيف يتم تشكيل وإعادة البناء الاجتماعي للماضي في الحاضر، وما هي القضايا الغائبة وأسباب غيابها، واستخدام منهج الشك، إضافة إلى تقيد الباحث في التاريخ الشفوي بالمضامين والمعاني والحقائق والمحتويات التي تتضمنها الرواية الشفوية دون تحميلها أكثر ممّا تتحمل بالنظر إلى الحقيقة التي تقول إن نقل الحقائق والمفاهيم والمضامين والمعاني يجب أن يكون دقيقا وصحيحا، بغض النظر على مدى موافقتها أو معارضتها مع قناعات وولاءات الباحث، وهو ما يضمن أن تكون الدراسة أمينة في نقل الأحداث بأمانة وموضوعية لتقديم المشهد كما حدث دون تهويل أو تهوين.
من هنا تتّضح أهمية ودور المؤرخ بأن يقوم بفحص الروايات الشفوية وتقويمها، ومعرفة الدوافع من ورائها، وكذلك طريقة تناقلها، ولعل هذا العمل يقود إلى فحص آخر لا يقل أهمية عن الأول وهو الهدف، كما على المؤرخ أن يفحص كذلك البناء الداخلي والخارجي للرواية الشفوية من خلال المنهج المعروف لدى المؤرخين، فإذا تمّ كل ذلك بنجاح يمكن عند تدوين الرواية الشفوية، ومن ثم تصبح وثيقة تاريخية مثلها مثل الوثائق المعروفة.
لا تكمن صعوبة التعامل مع الرواية الشفوية في جمعها فحسب، بل في تلك العملية المعقدة لتحويلها من “مادة خام” إلى “رواية مدونة” تستجيب المعايير البحث العلمي. لقد اصطدم المؤرّخون بوجود فجوات وتناقضات جوهرية بين الذاكرة الشفوية والتاريخ الموثق نابعة من طبيعة الذاكرة البشرية التي لا تعمل دائما وفق منطق الأرشيف، بل تخضع لثلاثة عوائق بنيوية تفرض على الباحث يقظة نقدية دائمة.
– غياب القياس الزّمني الدقيق: تفتقر أغلب الروايات الشفوية إلى الانضباط الكرونولوجي، فالشاهد غالبا ما يروي الأحداث بناء على “ثقلها الوجداني” لا تسلسلها الزمني. هذا الضباب الذي يلف التواريخ يجعل من الصعب أحيانا ربط الوقائع بسياقها الزمني الصحيح دون الاستعانة بمصادر خارجية تضبط الإيقاع الزمني للحدث.
– ضبابية الفكرة التاريخية تغلب على الشهادات الشفوية السردية العفوية التي تركز على التفاصيل الشخصية أو الحوادث العارضة، ممّا يؤدي أحيانا إلى تهميش “الفكرة التاريخية الكلية” أو السياق الكلي للحدث. فالمدلي بالشهادة يرى التاريخ من موقعه الخاص، وهو ما قد يؤدي إلى تبعثر الرؤية الكلية للثورة لصالح جزئيات قد لا تعكس جوهر المسار التاريخي
– مثالية الماضي (النوستالجيا): لعل أخطر ما يواجه التاريخ الشفهي هو نزعة “المثالية المفرطة” في النظر إلى الماضي. فغالبا ما يميل الرواة إلى إضفاء طابع بطولي مطلق على الأحداث وتنزيه الذات أو الجماعة من الأخطاء، مما يجعل الماضي يبدو في صورة مثالية تتصادم مع واقعية الحدث التاريخي بتعقيداته وتناقضاته البشرية.
تمثل المقابلة الشخصية لأجل تسجيل النص الشفوي أبعادا نفسية وإنسانية، لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال النص المكتوب، فالمؤرخ في هذه الحالة يعيش الأحداث التاريخية التي يدرسها عبر بعض المشاركين فيها أو ممن سمعها، وله إمكانية الحوار المباشر معهم واستيضاحهم جوانب كثيرة عن الماضي، كما يستفيد المؤرخ بطريقة مباشرة من الانطباع العام الذي تركته الأحداث اللاحقة في نفس الفرد الذي شارك في صنع الحدث أو شهده أو سمعه، وهذا بدوره يسهم في ضبط الاستنتاجات العلمية التي يتوصل إليها الباحث وأيضا عن طريق اكتشاف حقيقة الأهداف التي توخاها أولئك الناس من صنع أحداث محددة.
يمثّل فضاء المقابلة ركيزة جوهرية في إنجاح التوثيق الشفوي؛ فهو ليس مجرد حيز جيوغرافي بل هو مثير ذاكراتي، يحفز الراوي على استحضار تفاصيل تجربته الحية. إن للمكان سطوة نفسية قادرة على توجيه السلوك وتدفق البيانات، حيث تختبئ بين ثناياه بقايا الأحداث وعبق الذكريات مما يجعله عاملا حاسما في ضمان جودة الشهادة التاريخية وتحريرها من التحفظ أو النسيان.
يجب على الباحث إدارة زمن المقابلة بذكاء وتشارك، فلا يترك تحديد الوقت للراوي منفردا بل يوجهه وفق أهداف الدراسة ورؤيتها العلمية، وتعد اللقاءات الاستكشافية فرصة محورية لاختبار مصداقية الراوي ومدى صلته الفعلية بالأحداث وحجم بياناته، فإذا ما استشعر الباحث انعدام الفائدة وجب عليه الانسحاب بلباقة، أما في حال ثبوت ثراء الذاكرة فينتقل المرحلة الجدولة الرسمية والتسجيل لضمان اقتناص الشهادة في ذروة حضورها المنهجي، لذا وجب علينا الاهتمام بالتاريخ الشفوي بهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه من معلومات ووقائع تاريخية وتدوينها وتوثيقها، والعمل على تصحيح كل ما كتب حتى الآن من قبل بعض المؤرخين الأجانب ونقدهم.
تتألف عملية البحث في مجال التراث الشفوي من ثلاث مراحل متتالية هي: جمع المادة من مصادرها الشفوية – تصنيف ما تم جمعه وفهرسته وإيداعه في أرشيف – الدراسة والتحليل.
ولعله من المفيد جدا الاطلاع على العمل الجيد الذي ألّفه كولو ديفز بعنوان التاريخ الشفوي من الشريط إلى الورق، وفي أربعة فصول تحدث المؤلفون عن خطوات جمع التاريخ الشفوي وتحويل الرواية الشفوية إلى تاريخ مدون، ولقاء العامة ونشر التاريخ الشفوي، وأخيرا إدراك التاريخ الشفوي.
أهمية الرّواية الشّفوية في كتابة تاريخ الجزائر
ترتبط أهمية المصادر الشّفوية بالأهداف التي أعدّت من أجلها، وتبقى أداة لسرد حقائق وملامح الماضي، بمختلف جوانبه وأنشطته ومعارفه، بل يمكن أن نصفها بأنها تصب في خدمة العديد من فروع المعرفة، وعلى الرغم من أنه قد يثار خلاف حول صحتها وشرعيتها، ومدى التعويل عليها ومصداقيتها، تعد من مصادر المعلومات التي تستخدم لتدعيم وتوثيق أحداث الثورة الجزائرية.
في ظل تطلّعنا لكتابة تاريخ الثورة المجيدة بنظرة موضوعية تبرز الرواية الشفوية كضرورة حتمية لملء الفجوات التي خلفها غياب الأرشيف الرسمي أو تغييبه. لقد أضحى جمع الوقائع من شفاه الرجال المسار الوحيد المقاربة موضوعات من ماضينا القريب استعصى توثيقها ورقيا، مما جعل الشهادة الحية تنتقل من رتبة المصدر الثانوي إلى منزلة المصدر الأساسي والسيادي، والقادر وحده على استحضار روح الأحداث وترميم الذاكرة الوطنية في غياب الوثيقة المكتوب، فالكثير من الأحداث المتعلقة بالثورة التحريرية تنفرد بها الرواية الشفوية بحكم طبيعة العمل الثوري والنشاط السري الذي يفرض في مواقع عدة تفادي تدوين التقارير والمحاضر التحاشي وقوعها في أيدي العدو، وفي أحيان أخرى يضطر فيه الشخص الذي بحوزته وثائق هامة إلى إتلافها. لهذه الأسباب لا يستغني المؤرخ والباحث في الثورة الجزائرية في تدوين الأحداث والوقائع على الرواية الشفوية المأخوذة من أفواه صانعي الحدث، وقد اعتبر بعض الباحثين أن الرواية الشفوية “هي المكمل الأساسي للنصوص والوثائق لكونها تقوم بتغطية ما يعتريها ويشوبها من نقائص، ولعل من أهم العوامل التي دفعت بالمؤرخين والباحثين في الجزائر في الفترة الراهنة للاهتمام بالرواية الشفوية، هو ظهور وثائق تاريخية أرشيفية تؤرخ للمناطق المحلية والتي أعطت دفعا قويا لمصداقية بعض الروايات الشفوية المتواترة في المجتمعات المحلية والدعوة لإنصاف بعض المناطق والشخصيات التي ساهمت بشكل كبير في مسار الثورة التحريرية، مقارنة مع مناطق وشخصيات أخرى أقل تأثيرا عبر مختلف مناطق الوطن، ثم مواكبة التطورات الحاصلة في حقل المعرفة التاريخية على المستوى الدولي فيما يتعلق بالاهتمام بالتاريخ المحلي، هذا الأخير أصبح يكتسي أهمية في عملية إعادة كتابة التاريخ الوطني، فالرواية الشفوية إذا أحسن استخدامها، فسوف تشكل مصدرا لا يقل أهمية ولا دقة عن المصادر المكتوبة، مع مراعاة تحري الدقة فيما ينقل على لسان الرواة، وإلا فقد تفقد أهميتها في كتابة تاريخ الثورة الجزائرية ، فهي لا تزال تحمل في طياتها الشيء الكثير، بل يمكن أن نجد فيها حقائق ومعلومات نفيسة لا نجدها في التاريخ المدوّن 30، يرى طيف واسع من مؤرخي الثورة الجزائرية أن الارتقاء بالرواية الشفوية من مجرد “شهادة عابرة” إلى “مصدر تاريخي أصيل” لم يعد ترفا فكريا، بل غدا حتمية وطنية وضرورة ملحة تفرضها قيمتها التوثيقية الفريدة في كتابة التاريخ المحلي والوطني هذا الإدراك العميق دفع بالجهات الوصية في الجزائر إلى تبني استراتيجية جادة لمأسسة الذاكرة، من خلال تجنيد مراكز بحثية كبرى، وفي مقدمتها المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954 الذي يتصدر جهود التنقيب عن الحقيقة في صدور الرجال.
لم يقتصر هذا الجهد على المركزية، بل امتد ليشمل شبكة واسعة من المتاحف الولائية والجهوية للمجاهد بمختلف ملاحقها، والتي تحولت إلى مراصد حية لتسجيل وحفظ إفادات المجاهدين والمجاهدات.
وفي ذات السياق، انخرطت الصروح الأكاديمية في هذا الرهان الوطني عبر تأسيس مخابر بحثية متخصصة داخل الجامعات الجزائرية على غرار المبادرات الرائدة بجامعة سطيف، ممّا يعكس تلاحما بين الإرادة السياسية والصرامة العلمية لضمان كتابة تاريخ وطني يستند إلى الأرشيف الحي” ويصون الأمانة التاريخية من الاندثار”، إذ يمكن أن تقدم الرواية الشفوية نظرة مغايرة، وهي أيضا مصدر أساسي يمكن اعتماده في إعادة بناء الأحداث التاريخية للثورة الجزائرية ووقائعها عند عجز الوثائق الرسمية المكتوبة والمادة الأرشيفية في إظهار الحقيقة التاريخية، يتجلى دور الرواية الشفوية في إماطة اللثام عن الكثير من الحقائق التاريخية التي غيبت بسبب انعدام الوثيقة أصلا واختفائها لسبب أو لآخر، فالفعل الثوري حتّم على أصحابه وبحكم السرية التي أحيطت بها الثورة الجزائرية تجنب استخدام الوثائق حذرا من انكشاف أمرها للعدو.
ومن المعلوم أنّ الأرشيف الوثائقي للثورة الجزائرية في معظمه موجود في فرنسا وحتى سويسرا، أما في الجزائر فهو قليل لا يلبي حاجة الباحثين والمؤرخين الذين يحاولون التاريخ للثورة الجزائرية، ومن هنا فإنه من الخطأ الاعتقاد أنه بالإمكان الاكتفاء بتطبيق المنهج التاريخي الكلاسيكي الذي يعتمد في المقام الأول على الأرشيف الوثائقي، فالواقع يؤكد لنا يوميا مدى الصعوبة التي يجدها الباحث المؤرخ في العثور على وثائق تخص مواضيع معينة، ومنها بشكل خاص الجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي خلال هذه الفترة.
يجد المؤرخ الجزائري نفسه اليوم أمام مسؤولية مزدوجة، فهو مطالب باستنطاق الرواية الشفوية كضرورة وطنية، وفي الوقت ذاته، ملزم بإخضاعها لأدق معايير المنهج النقدي الضمان كتابة تاريخية تليق ببلد المليون ونصف المليون شهيد. إن المذكرات والشهادات، رغم قيمتها، تظل في جوهرها انعكاسا لتجارب شخصية ومواقف ذاتية، مما يجعلها عرضة لآفات الذاكرة من مبالغة غير مقصودة أو تزييف للحقائق تحت وطأة العاطفة، وهو ما يستوجب تفعيل آليات الفحص والتمحيص لتنقية المادة التاريخية من أي انزلاقات معرفية قد تشوه صدقية الحدث.
إنّ الحاجة إلى تنويع المصادر التاريخية اليوم لا تهدف فقط إلى تكميل النقص الوثائقي، بل تهدف أساسا إلى إيجاد آليات علمية تحول الشهادة الفردية” إلى “وثيقة إدانة” دامغة. فالتوظيف الذكي للرواية الشفوية هو الكفيل بفضح الممارسات الدنيئة للاستعمار الفرنسي، وتوثيق جرائمه التي حاولت التقارير الرسمية طمسها. وبذلك، يصبح المؤرخ هو “المصفي” الذي يفصل بين الانطباع الشخصي والحقيقة التاريخية، ليصون تاريخ الثورة من الزلل ويحفظه كمرجع وطني مقدس يتسم بالموضوعية والشمول.






